لِيَامُ العيد.. نشيد العيد

السبت, 24 يونيو 2017 13:08

د. علي عقلة عرسان

ثقافة وفنون
طباعة

كل عام وأنتم بخير

 

هذا لِيامُ عيدنا، ولكلِّ قوم عيد. ومن حق كل مخلوق أن يكون له عيد، وأن يفرح في عيده، وأن يكون سعيدًا، وأن يستعيد العيد.. وبعض الأمل عيد. وفعل الخير، عند بعض الناس، وفي بعض الأوقات عيد. العيد والفرج لا يصادران، ومن يفعل ذلك يحصد الخُسران.. وحتى في ذرآ للمآسي والآلام، لا يُصادر العيد، ولا يُدان فرح.. لا سيما لمن لهم حق ونصيب ونفْس في فرح، وإذا اتصل ذلك بعِيدٍ، له من المكانة في الأنفس، ولدى ملايين الناس، ما لعيدينا، الأضحى والفطر، من مكانة عندنا، نحن المسلمين.

 

والعيد لك، والعيد لأخيك، وكل من الذات والآخر، يساهم في صنع العيد، وفرحه، وفي إدخال السعادة إلى نفس الآخر، وفي خلق مناخ العيد.

لكن من الإنساني المحض.. ولا نتكلم هنا عن المفاهيم والأبعاد “الوطنية والقومية والإسلامية” التي تجمعنا، نحن العرب، وتربطنا بعلاقات روحية واجتماعية، هي في العمق من المعتقدات، والعبادات، والمعاملات، والواجبات، وحسن الصلات.. لا نتكلم هنا عنها، بماهيتها وخصوصيتها، وبما توجبه وتمليه.. لأنها غدت، في أحوالنا، وأوضاعنا، وأنانيتنا، وعداواتنا، وتبعيتنا لأعدائنا.. أوهى من خيوط العنكبوت، وجعلت بيتنا العربي – الإسلامي.. العتيد، أوهى من بيت العنكبوت، مع الأسف الشديد.. لا نتكلم عن الوطني والقومي والإسلامي، وإنَّما نتكلم عن الإنساني، الشامل لكل الأمم والملل، وعن دوافعه ودواعيه، ذلك الذي يفرض شراكة بشرية، يمليها البعد الإنساني والمصير الإنساني، للبشر، ذينك اللذين لا يمكن تجاهلها.. لنقول: إن من حق من لا يدخل قلبه الفرح، في عيد وفي غيز عيد، لسبب خاصٍّ أو عام .. من حقه على من يفرح.. أن يشعر به، وربما أن يراعي مشاعره، فيحاول أن يخفف عنه، أو أن يُدخل بعض الفرح إلى نفسه، أو ألا يجرحه، بقصد أو من دون قصد.

فلنفرح بالعيد، فذاك حق وواجب، ولكن فلنذكر أيضًا أن هناك قلوبًا مجرَّحة، ينزّ ألمُها ودمُها، لا تسكن دارًا، ولا تعرف استقرارًا، ولا تستطيع أن تقارب الأمنَ، والشَّبَع، والرِّي، ولا أن تتقي لفح الرمضاء في البيداء، بيداء الطبيعية، حيث التشرد بكل أبعاده ومعانيه، والبيداء البشرية، حيث القتل والرعب والتهديد والتوعّد، وقحط الأنفس. ولنذكر أيضًا أن أصحاب تلك القلوب والجراح أولئك، وهم من لحمنا ودمنا، ليس لهم نصيبٌ، لا في عيد ولا في فرح، وهم على هذا الحال منذ سنوات وسنوات، ويزدادون عددًا، وتلاحقهم الأوبئة والمجاعات. وهم من جرح إلى جرح، ومن قَرح إلى قرح، ومن تبريح إلى تبريح. وإذا كان من حق المسلم ومن واجبه أن يستشعر العيد، وأن يبتهج، وينشر البهجة، لتتسع دائرتها وتعم.. فإنه، بوصفه إنسانًا، عليه أن يعرف واجبه حيال أخيه الإنسان. وأن يدخل إلى ذلك الواجب مداخله، الروحية والمعنوية والمادية الملموسة والمحسوسة.

نعرف أنه لا يجوز أن نعكِّر صفو نفس في العيد، ولكنَّا نعرف بالمقابل، أنه لا يجوز أن نقتل إحساس النفس الإنسانية الصافية بالآخر، وبواجبها نحوه، في عيد أو في غير عيد. والعيد خير، وأمن، وبركة، والصلح خير يخلق مناخ الخير ويعززه، وصانع الخير، والمتجه إليه بصدق وتقوى ونقاء، هو في عيد، لأن فعل الخير ينطوي على موجبات الفرح ومسبباته ومقوماته. فالنفس الخيِّرة في عيد.. وصفاء الذات والعلاقات، ونزع الضغائن والعداوات، مثله مثل سدِّ الحاجات، وتقديم الطعام واللباس للجائع والعريان، وإدخال الفرحة إلى قلب يتيم وأرملة ومريض.. كل ذلك من مقاصد الروح المؤمنة الآمنة، تنشده وتتقصاه.. “ما مات مؤمنًا من نام شبعانًا وجاره جائع، وهو يعلم”.. فلا يفوتن أحد منا فضل في عيد، أو فيما يصنع للناس عيدًا. ورأس الأعياد في أرضنا اليوم، ومما نحتاج إليه أقصى الحاجة سلام، وأمن، وصلح، وتواد، وتراحم، وعدم الانجرار وراء من يصنع للناس عكس ذلك، أو يتسبب لهم به. إن في أرضنا خير وخيّرون، ولدينا من ذوي النفوس الصافية، الداعية إلى الإخاء والصفاء والسلام.. ما يجعلنا نتطلع إلى إفعال منقذة، ومبادرات بناءة، وإلى الغد بأمل، وإلى العيد بمقدار من الفرح العميم، أو شبه ذلك.. وفي كلٍّ خير.. وقل اعملوا.

عند عتبة العيد، أقف عند الطفولة، وهي في شبه شقاء في الكثير من مواقع الناس ومواطنهم عندنا، لا سيما في بلدان تفترسها الشرور، وتلتهمها الحروب، وتنتفخ فيها الأكباد بالأحقاد، وينتعش فيها الفاسدون والفساد.. فلا يكون لولد فقير أن يفرح، ولا لوالد فقير أن يُدخلَ الفرحة إلى بيته، وإلى قلوب أطفاله.. عند تلك العتبة، عتبة العيد.. تخنقني أغنية.. أسميها “أغنية العيد”.. فهل هناك مجال يا تُرى، لغناء من نوع ما، في عيدنا “السعيد؟!”، عيد الفطر المجيد؟!

أغنية العيد:

الحرفُ الأخضرُ غادرني في صبح العيدِ،

كلِيلَ الطرْف، نحيل العود، حزين.

وراح يهيم بعيدًا عن دنيا الأحياءْ.

ووجدتُ أمامي عنقودًا من حَشَفِ القولْ،

وأنا في العيد شديد الحاجةِ للأقوالْ،

فالكلمة في العيدِ بشارةْ

والكلمة في العيدِ سِتارةْ

والحرفُ الأخضر ثوبٌ العيد، ونورُ العيدْ

يزفُّ البسمةَ للظلماتْ،

ويُشْرِعُ بابًا نحو الآت..

لكنّي يا أصحابَ القولِ، وجدتُ الكلمة تهجُرني،

ولمست بقلبي عُقْمَ الحرفِ، يباسَ الموت.

أحسستُ الزَّحفَ على عمري يجتازُ البابْ

أخشابًا صارتْ أحشائي، وأنا أخشابْ،

تُردم من فوقي الأخشابْ.

صرَّخت، وأنشبتُ الأظفارَ بظل حياةٍ، غيضِ حياةْ

ومددتُ بساطَ العمرِ، طويتُ بساطَ العُمرِ،

أفتِّشُ عن أقوالٍ فيها خضرةُ عمرِ القَولِ.. مُناهْ،

والقولُ غذاءٌ للأطفال بليْل العيدْ.

تَغلي في الحَلْقِ، وفوق الكبدِ، شريحةُ قولٍ أو أكثرْ،

أحيانًا ننْقَعُ في الأفواه قَديدَ القولْ.

وينامُ الطِّفلُ على الأحلامِ قريرَ العينْ،

والأملُ الساطعُ يغذو النارَ

وتغلي في الحَلقِ الأقوالْ.

لكنَّ الحسْرةَ تنمو ملءَ القَلبِ،

فيا أحبابْ…

هذي القِدرة لن ينظرَها ابن الخطَّابْ..

هذي القِدرة في صحراءِ العمرِ دُخانْ

وهذي القِدرة…

أَعفوني من قولٍ فيها يا أَصحابْ

فعجوزُ القلبِ تحدِّثُني،

وحديثُ عَجوزِ القلبِ يقول:

“يبابًا يا مسكين غدوتَ، ببابِ العصرِ غَدوْتَ يبابْ

ما يغني عنك القول.. تقولُ ؟!

كَسيرًا عدتَ، بلا أتْراب،

في الدُّنيا أنتَ البوَّابْ،

يا مسكين الشرق اللاهي، في الدنيا أنت البوابْ ..”

لملَمتُ حصيري من فوقي

أخفيتُ يباسي تحتَ يباسْ

وهدأت – وفي جوفي ليلٌ – في قلب الليلْ،

من فوقي نجماتٌ ترعى بستان سَحابْ…

أضْمُر، أضمُرُ..

أشعرُ أني أضْمُرُ عبر الكونْ..

ويزيد ضمورًا في قلبي قدْرُ الإنسانْ..

حينَ أحسُّ فيافي العجز تزيد ذراعًا بعد ذراعْ،

وتروحُ تزاحمُ عزمَ القُدرةِ .. شبرًا.. شبرا،

تغزو حتى الحرفَ الأخضرَ في الأعماقِ،

وتغزو حتى اللونَ الــ”يغْزل” في الأحداقْ.

يا هذا الليل..

أبِلا آفاقٍ أنتَ اليومَ.. بلا آفاقْ؟!

أنْظِرْني يومًا يا ليلي.. هو يومُ العيدْ؟‎!

وامنحني خضرةَ حرفٍ جفَّ، لأغذوَ بالحرفِ الأطفالْ

لا تسرقْ مني حتى فسحةَ أملٍ كاذبْ،

فأنا أعرفُ معنى الصبح، ومعنى الليلِ،

ومعنى تحطيم الآمالْ.

كانت أحلاماَ مرّتْ بي مثلَ السكِّينْ،

ومددتُ ذراعي نحو اللهِ أقولُ.. أقولُ:

“طعينَ القلبِ غدوتُ

أجرُّ صليبي عبرَ الليلْ

أعني يا ربَّ الأربابْ. ”

مرّت لحظاتٌ..لا أدري.. هل تحسب لي؟!

أم تحسب يومَ الوعدِ عليّ؟!

ووجدتُ بكفي بذرَ أنينْ.

لملَمتُ حصيري من فوقيْ

أخفيتُ يباسي تحت يباسْ..

هَدَأْتُ قليلًا، في جوفي ليلٌ كاللَّيلْ..

ناديت: الغوثَ.. أَغيثوني يا أهلَ الدَّارْ،

صبَّ التُّجَّار على قلبي سيلًا من نارْ،

صبَّ الفُجَّار مع التُّجَّار على قلبي سيلًا من نارْ !!

قالوا: فليُحْرَقْ، فليُمّحقْ هذا الثَّرثارْ.

غَذّيتُ النار، إلى أن صارت تلك النار،

ببابِ الكهفِ الفاغرِ فاهُ بوجه النار، كحُقِّ أنينْ،

أحسستُ دبيبًا عبرَ الليلِ السَّاهرِ ذاكْ،

أحسستُ صراخًا.. شيئًا ينمو..

يكبر.. يسمُقُ عبرَ الكونْ،

كأنَّ البذرَ الرَّاقدَ ينمو في الأعماقْ..

يكبرُ.. يصرخُ.. عبرَ الليلْ …

النارُ تلاحق كفي “الفاغرَ فاهُ” بوجهِ النارْ،

والليلُ يقاومُ ضوءًا شَعَّ من البذراتِ بحُقِّ أنينْ.

“لا تنكرْ جرحَكَ، لا تنسَهْ، وابذره حقولًا…

كي يخضرَّ الكونُ، يشيعُ النُّورْ”؟!

قد كان صراخًا يا صحبي، في ليل الناسْ،

قد كان صراخًا يا صحبي، تلقيه تخومٌ نحو تخومْ،

ويلامس بؤس الناسِ، يعودُ لهاثًا، ضَعفًا، يأسًا..

لكن لا يفنى يا صحبي.. بل كان يعودُ،

ويشدُّ حصيري من فوقي،

فيشدُّ يباسًا فوقَ يباسْ،

ويظلُّ بليْلِ العيد رسولًا، يغدو مني نحوَ الفقرِ،

ونحو الأفقرِ من كَنّاسٍ، أو مأمورٍ، أو سَوَّاسْ،

ويعود يحدِّث قلبي ليلًا …

عن بؤسي، عن بؤس الناسْ،

ويشدُّ حصيري من فوقي، ليغيبَ يباسٌ تحتَ يباسْ.

الحرفُ الأخضرُ غادرني في صبحِ العيدْ

حرَّكتُ لساني كي يعطي منقوعَ القولِ إلى الأطفالِ…

فلم أعثرْ في جوفِ الحَلقِ على كلمةْ.

حرَّكتُ القِدْرَةَ كي أغرف من بطن القدرة أقوالًا،

لكن.. يا صحبي، غاضَ القولْ،

ناسَتْ شَمعَةُ أملِ الكلمةْ،

طارَ الحرفُ الأخضرُ،

غادرَ قفصَ القلبِ، وراحَ يهيمُ بعيدًا عن.. عن دنيا الناس..

ووجدتُ أمامي عنقودًا من حَشَفٍ حَيْ،

أطفالًا ناموا ليلَ العيدِ على الأحلام،

وأفاقت، فجرًا، في الأحداق، ظلالُ العيد!.

لكن يا صحبي.. ظلَّ القلبُ مقابر سود للضّحكاتْ،

وهُنَّ نُعوشٌ فوق شفاه تحلم.. تحلُم حتى بالكلمات..

وكنت غريبًا..

صدقًا يا صحبي ما أَقسى،

أن نبدوَا أغرابًا في العيدْ،

أغرابًا في مُقَلِ الأطفالْ..

حيث حكايا المقَلِ طوال.

” هذا الأبُّ الواجمُ..ما هو ؟!

صخرٌ… أمْ شيءٌ من صخر ؟!

لمَ لا ينطِقُ، يطلقُ سيلَ الضَّحكِ الواقفِ عند الفجرِ، ببابِ العيدْ؟!

لمَ لا يطلقْ شمسًا تهصر برد العالم.. وجع العالمْ؟!

لم لا يفرحْ، يضحكْ، يفتح بابَ القلبِ، وبابَ العيدْ؟!”

كانَ الطفلُ الواجمُ جنبي مثل شهادةْ،

ينطق صمتُه ألفَ خَريدَةْ،

يعلنُ باسمي صِغَرَ العالمْ،

يقتلُ باسمي كلَّ نشيدهْ:

“هذا العصرُ الأسودُ سُبَّةْ،

هذا الصمتُ الرادعُ قلبَ الفَرحةْ،

يقهرُ، يُصدرُ أمرَ إبادةْ.

هذا الأب الصامت: صخرًا صار بهذا العصرِ،

تُراه يصيرُ أبًا من لحم، من أحلام، من ألعابٍ، من ضحكاتٍ؟!

هذا الأبُّ الجامد….” سدّ الفُرْجَة”،

رمز العصر الأبله هذا..

مَنْ جَمَّدَه؟ من أحرقهُ؟! من صيَّرهُ،

سدًا يمنع نهر الفرجة، أن يتدفقَ صبحَ العيدْ!؟

هذا الأب الجامد أضحى.. رمز إدانة،

في هذا العصر الملعون،

في هذا العصر المجنون..”

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان