موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
فنجان من القهوة يوميا يطيل العمر 9 دقائق ::التجــديد العــربي:: وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يدعو إلى خفض الإنتاج العالمي للنفط إلى مليون برميل يوميا ::التجــديد العــربي:: دوري أبطال أوروبا: برشلونة أول المتأهلين إلى الدور ثمن النهائي ::التجــديد العــربي:: فرنسا: نيكولا ماتيو يفوز بجائزة غونكور الأدبية العريقة عن روايته "أولادهم من بعدهم" ::التجــديد العــربي:: تعيين الجنرال المتقاعد جون أبي زيد سفيرا لأميركا في السعودية ::التجــديد العــربي:: ترمب لماكرون: لولا أميركا لهزمتم في الحربين العالميتين ::التجــديد العــربي:: الملك سلمان سيتفقد أحوال المواطنين في المنطقة الشمالية للمملكة ويقوم بتدشين مشروعات تنموية في مناطق شمالية من بينها مدينة وعد الشمال للصناعات التعدينية ::التجــديد العــربي:: اليمن: التحالف العربي يوافق على إجلاء جرحى حوثيين إلى سلطنة عمان ::التجــديد العــربي:: فصائل غزة توافق على تهدئة إذا أوقف الاحتلال عدوانه ::التجــديد العــربي:: مجلس الأمن يفشل في الإجماع على قرار غزة ::التجــديد العــربي:: الحريري يتهم نصرالله بتعطيل الحكومة ::التجــديد العــربي:: انتخابات التجديد النصفي للكونغرس: التصويت في انتخابات مصيرية لترامب ::التجــديد العــربي:: بمناسبة زيارتة الى منطقة القصيم : خادم الحرمين يوجه بإطلاق سراح جميع السجناء المعسرين من المواطنين بالقصيم في قضايا حقوقية و يدشن أكثر من 600 مشروع بقيمة تتجاوز 16 مليار ريال ::التجــديد العــربي:: واشنطن تدشّن المرحلة الثانية من العقوبات وتهدد بضغوط على إيران «بلا هوادة» ::التجــديد العــربي:: المملكة تؤكد حرصها على المضي قُدماً نحو حماية وتعزيز حقوق الإنسان ::التجــديد العــربي:: بريطانيا تفتح في عُمان قاعدة تدريب عسكري ::التجــديد العــربي:: الكويت_تغرق للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عامًا ::التجــديد العــربي:: مصر: مستوى قياسي لاحتياط النقد الأجنبي ::التجــديد العــربي:: إعفاء دول من العقوبات على إيران يضغط على أسعار النفط ::التجــديد العــربي:: معرض الشارقة الدولي للكتاب يفتتح اليوم: اليابان ضيف الشرف ::التجــديد العــربي::

دَعوةٌ للإنشاء.. في سِفْرِ الشَّقَاء

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

الحرف مغموس بماء الورد، يحمل وجيب القلب، وطعم العاطفة، ولون الانفعال.. عند العاطفيين، والريشة عندهم شعاع، تسطّر على صفحات النسيم ، وعلى أديم الماء والسماء، قصص الشوق، والترنح على أعتاب التَّوق، وتعبِّر عن اندفاعات الحب، ونزق الروح، وانتفاضة الفكر، والحرية المسكونة بالحركة والرعب.

 

والحرف مغموس بالدم، ينبض بألم القلب، وشقاء الروح، وقهر المضطَهَدين والمظلومين.. عند الثائرين والمقاومين والمدافعين عن حق، والواقعين تحت رحمة الإرهاب، وسيف الاضطهاد، وظلم الجهلاء، وادعاء السُّفهاء، وعدوان الأقوياء.. إنه إناء الوعي، وسطوع الغضب، وصوت الضمير، واستغاثة الإنسان بالعدل، والعدل بالإنسان، وانتظار النصر الجدير باسمه، ذاك المحمول على أجنحة الشهداء والمناضلين، والقادم بخير وفَرَج، على البؤساء والتعساء والمحرومين. وهو دفقة الأمل في جسد المتعبين المهمَّشين، والمنبوذين في هذا الموقع أو ذاك من أرض البشر. والريشة عند أولئك رصاصة، أو خنجر، أو قذيفة، تحفر على وجه الوقت والحياة والأرض، وقائع تسجلتها مواقف، للإنسان ضد الإنسان، قد يغفلها التاريخ، وتجسد تغيّرات أملتها إرادته الواعية لما يريد، أو تحوله إلى أداة تحركها عقول وإرادات واعية لما تريد، وقد تحيله إلى وحش من حيث لا يظن، ولا يرغب، ولا يريد. وهي في مختلف الأحوال تقود مسيرة، وتتوثب لمواصلة السير والصيرورة.

والحرف مغموس بالدمع، يشهق بالآه، ويلوك الحنظل، وهو يقارب ما يطاق وما لا يطاق، و يحمل مرارة الصبر، ويمضي وراء لمع سراب في صحراء، كحد سيفٍ صقيلٍ مصلتٍ فوق هامَة، يهيج لهاث وامق يشتد في طلب فرج ويقين، في رمضاء زمنٍ لا فرج فيه ولا يقين.. هكذا هو عند الفقراء، والسّجناء، والأسرى، والمظلومين، والمشردين في المخيمات، وتحت الأشجار العارية، في عواصف ثلج شتاء، ليس كفيض برده فيض، وفي لظى قيظ يشتد فوق تفجّر براكين غيظ. وربما كان في مثل ذلك، عند المستضعَفين ومن هم في حكمهم، ممن يحكمهم ظالم، ويحكم باسمهم قاتل، ويتحكم بهم، ويقتلهم.. مستَعمرون وعنصريون ومستبدون.

إنه الحرف، وعاء المعاناة وبيانُها، ولسان الإنسان وحصانُه، وأمل مشرق، وعتمة قنوط، وميزان حقٍّ ينتصب بقوة الضمائر الحية، ويتطلع إلى أن ينسكب، بأدائها القويم، عدلًا، ونعمة، وأمنًا، وأداء صالحًا، وصلاحًا، وبلسمًا، وشفاء.. والريشة عند المؤمنين الصابرين المثابرين، معول يهدم الحواجز، ويحيل المستحيل، ويهدّم عروش الظلم وجبروت الطغاة، أو يحلم بذلك ويعمل من أجله، ويحرص على أن يفُل الظلام بأشعة الوعي، وأن يكسر سطوة الإنسان على أخيه الإنسان.. وهي تألق يبني، كما بنى جن سليمان له وبأمره، حصونًا وقصورًا وصروحًا.

والحرف يكون.. ويكون.. ويكون. وهو مدعوٌّ في زماننا وأوطاننا، اليوم أكثر من أي يوم، إلى الإنشاء في سِفْرِ الشقاء، فينهل من قلب الوطنيّ المنتمي المُحب، ومن جراح الناس، ودماء الشهداء، وغضب الثائرين بحق، والمدافعين عن الحق، ومن صبر الجائعين، وقهر المقهورين، وألم المحاصرين، والمشردين، والمهجَّرين، و… لكي يصنع حلم الشعب بتوقف الفتنة والقتل والدَّمار، وسيل الدم.. لكي تُشرق من جديد شمس الاستقلال والاستقرار والازدهار.. حلم الشعب بالحرية والتحرر والتحرير والتغيير، وبالنهوض والارتقاء، في وطن يعمه الأمن والسلم أولًا، وتراعى فيه شؤون الناس، بما أمر به إله الناس، بديع السماوات والأرض، خالق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، من عدل ورحمة للعالمين.

ففي أرضنا اليوم شرٌّ يفرِّخ شرًّا، ومطر من سجّيل، ورُكام الدم والطين، وتيه يلف العارفين، ويزعزع اليقين كلما ارتسم في الأفق يقين.. في أرضنا موت الروج، وموت الضمير، وموت الجسد، وكل ما يجلب الموت، وما يكاثره، ويرسخ جذوره في حقول الأنفس، ذات الخصب الفريد.. في أرضنا واقع جديد، يفرض على الحرف أن يتقرّاه، وأن يعرفه ويستقرئه ويستلهمه، ويتعامل معه تعاملًا نوعيًّا واعيًا، مسؤولًا، مختلفًا عن كل ما سبق من تعامل للحرف مع واقع، ومع ما يتطلع إليه بشر يعيش واقعًا مرًّا يرفضه ويُفرَضُ عليه، وينشُد آخرَ مغايرًا لا يصل إليه.. ومع وضع طما فيه سيل العدوان والفتن، وأهين فيه الإنسان والوطن، واستهين بهما في السرِّ والعَلَن.. حتى أصبح ابن آدم فيه، فيما يشبه القَرَن، مع الشّيءِ والمادة، ورانَ عليه ما ران من هوان، حتى ضَعُفَ وهزُلَ وهان، وأصبح بين الخلق كجمَل أجرب، أفْرِدَ وطُليَ بٍقَطِران.. وهذا مما لا يليق به، ولا يمت إلى تاريخه العريق بصلة، ولا يجوز أن يوصَمَ به، ويُسمَّى عليه.

هناك في تربتنا الاجتماعية والنضالية والثقافية دعوة مفتوحة وملحة، لاستنبات الكلمات والمواقف والموضوعات في حرارة الواقع، ودقة الوقائع ومصداقية الوثائق، بمسؤولية وموضوعية.. بعيدًا عن الأبراج العاجية وتأثيراتها، وعن الدوامات الكلامية وضبابياتها، والشطحات الخيالية وصبواتها، والنظريات الطوباوية وتهويماتها، والديماغوجية وافتعالاتها، وبعيدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء، عن التجارة بالوطنية والناس، بالكرامة والحرية، بالرغيف والدم، بالصّغير والكبير.. فالحرف المسؤول ليس للتضليل، ولا للتبسيط أو التهويل، ولا لنثر بريق على جبين هذا وذاك، ممن لا يستحقون، أو ممن يدفعون ثمن الحرف وصانعه، ويجيرون لأنفسهم ما يتقنه من فنون، ولا هو، ولا ينبغي أن يكون، نجومًا على أكتاف وحوش، وإرهابيين، وطائفيين، وفتنَويين، وانتهازيين، وقتلة محترفين، للأطفال والمدنيين.. ولا هو منفاخ ساسة، ولا طبلٌ وبوق في سوق سياسة.. ولا يليق به أن يكون أداة يستخدمها أشخاص من ذوي المواهب “الخُلَّبيَّة”، الذين يقتنصون الوسائل الرسمية وغير الرسمية، ويتلطون في ظل هذا الحاكم أو ذاك، هذا المعارض أو ذاك، هذا المسلح أو ذاك، هذا المموِّل أو ذاك.. هذا المستعمر والمستثمر، في القتل والإرهاب والخراب أو ذاك.. فتربة الحرف، وحوضه، ومستنبَته، أطهر من ذلك وأسمى وأرفع قدرًا. وهي تربة ليس الكتاب موطنها الوحيد، ولا الصَّنعة سمادها الوحيد، ولا الخيال نباتها الفريد.. إذ إن معظم قيمتها وزينتها، في تغذية المُفيد، والمُنقذ، وتعزيز مكانة القويم والبديع.. إنها تربة خصبها: “الانغماس في عمق الأزمات والصراعات، والصعوبات، والمعاناة، والتناقضات، والمشكلات العويصة، “السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأخلاقية والروحية، الوطنية والقومية والإنسانية”، وهي كلها، في تداخلها وتفاعلها، تداخلًا وتفاعلًا، عضويي التكوين والتأثر والتأثير، الوسط الملائم لاستنبات الحرف، وإحيائه، وإبرائه، في الغوص عميقًا في تكوين نفسي وقيمي وروحي وأخلاقي، غدا مضطربًا ومتوثبًا ومتطرفًا ومتورّمًا مريضًا في حالات. ليدفعه، بوعي واقتدار ومسؤولية، إلى التفاعل والتغيير وإعادة التكوّن والتشكّل، في معطى جديد مؤثّر في حياة الناس والمجتمعات، التي لم يعد الاستهلاك وقيمه ومظاهره، والفساد وألوانه، والانحلال وصوره، إلا بعض أعراضه وأمراضه وعوامله.. معطى مجتمعات يحمل المتناقضات، ونزوعَ المتناقضين إلى الاعتراك والاصطراع والاقتتال حتى الموت، من أجل بلوغ غايات ليست هي الغايات في الحياة.. وفي خضم سياسات، تشرع في فضاء الروح سيف الخوف من الآتي، وعدم الثقة بالشخص الكفء المواتي، نتيجة لخبرات وتجارب مرة، كونها الزمن القريب في مختبر الممارسات والأحداث المرعبة، فأغرق الخلق في مسارات الدم والدمار، حيث صار ذلك يراود نفسَ الغبي والأريب، وضمير كل منهما، ويحكم الكثير من الأنفس ويتحكم بها. وهذا الواقع خلق مناخًا خاصًّا، حتّم ولادة خاصة، ودعوة أخص، لمواجهة ما لا يُقبل، ولا يَحمِي، ولا يَبني، ولا يُحيي.

فإلى ذلك الذي يستنبت الحرف في الجرح، ويغذيه من تربة الواقع، ومن تواتر المواجع، أقول: أيها الحامل ضوءًا وتوهجًا، ونوع رؤى، وإيمانًا متجذرًا، وقولًا طيبًا يتجسد عملًا، ويبذر أملًا، ويستنبت إرادة حياة.. يا من يُشرِع في مدى الآفاق شراعًا منقذًا.. أيها الناشد حقيقة تشفي، ومصداقية تعطي للوجود وللحوار معنى، ولما تقدمه للناس من معرفة ورأي وخبرة ونصح وغنى.. تعال أفلح أرضًا تحتاج إلى من يفلحها، وارتبط، أخذًا وعطاء، بأناس يحتاجون إلى من يعطيهم بإخلاص، ويترجم عنهم بأمانة وعمق وشفافية وحيوية، وباقتدار وحسن نية.. تعال خذ حياة الحرف من حياة الظرف، وليدفع حرفُك الإنسان إلى التفاؤل، والتشبث بالحياة، والانغراس في المكان.. تعال استفد من كل لحظة يجود بها الزمان.. لحظة يشرق فيها العقل ويتجلى فيها الضمير، فتجود بنوع من الوعي يرتفع فيه شأن القيم، وينتشر فيه الأمل، وتُستنبت في الأعماق إرادة خيرة، وقدرة على ترجمة تلك الإرادة إلى عمل جماعي.. تعال ادعُ إلى قيادة راشدة، ومسؤولية رائدة، إلى وقف القتل، ولجم الفتنة والشر.. إلى منع تحول أشخاص إلى وحوش، وبيئات صالحات إلى دِمَن، وبلدات وقرى خصبة إلى بلاقع.. وامنع أن ينتشر وباء الكراهية بين الناس فتتحول المجتمعات إلى أوساط بلاء وابتلاء، وفَناء وإفناء.. تعال فعِّل عقلك، ووعيك، وإبداعك، وساعدك، وعواطفك، وإيمانك .. في تغيير لا يتم بقتل من ينبغي التغيير لأجلهم أو بواسطتهم ولمصلحتهم.. تعال اعمل في الظرف القاهر، ولا أقول الصعب، وفي عصر ضياع القيم، واضطراب المعايير، وموات الشيم، وتشظي الشعب والأنفس.. تعال وجّه شراع المركب وثبته في خضم البحر الهائج، واجه العاصفة، وخذ على يد من يريد أن يخرق السفينة، ممارسة لما يسميه حريته؟!.. تعال احمل الهمَّ، واترك الوهم، انغمس في البيئة الحاضنة، واترك الدريئة والذريعة.. تعال ابني ولا تكتفي بالنهي والذم، تعال إلى الناس والوطن والأرض، لتفلح فيها، وتبذر بذارك الذي تدَّعي أنه الأصلح.. ولا تبعنا من وراء البحار، ومن خلف والأسوار، أقوالًا متعالية، متخمة بعوامل العجز وأنواع الفرار، بينما يداك في الماء وأيدينا في النار.. تعال إلى الأرض والفعل والمسؤولية، واقبض أجرك مثلنا بالعملة المحلية، وانزل إلى السوق لتشتري رغيفك، واعرف من أنت بين من تدعي أنك تمثلهم، وتقبض باسمهم ومن أجلهم، وتبيع وتشتري بهم وبوطنهم ومستقبلهم، ومَن ترسل الموت إليهم أو تسببه لهم.. ففي كل يوم يقتلنا من يدعي أنه: يحمينا، ويحررنا، ويخلصنا، ويدافع عنا، ويموت من أجلنا.. تعال إلى أرض البناء والعمل والوفاء، واشقَ فيها مع من يشقى فيها، بسبب منك وبسبب من سواك.. تعال وإلا فلا حاجة لنا بخطابك، أو نواحك، أو غنائك، أو طحينك، أو سلاحك.. لأنه لن يكون هناك من يسمعك، بعد أن ندَر وجود من يصدقك أو يثق بك.. واعلم أنه لن يكون في غنائك، بعد كل هذا البلاء والابتلاء، ما يطرب.. فقد عفنا الغناء والمغني، واللحن والملحن، والإيقاع والعزف، والطبل والصنج، والدّف والزّف، لكثرة ما سمعنا وما شفنا، وما عانينا.. ولكثرة من دفنا من أحبة، وما عجزنا عن دفنهم من أطفال وأبناء وإخوة وشيوخ ونساء.. تعال لنا ونحن في المحنة، وإلا ابتعد، وابق حيث ترتاح، وأرحنا، وخذ أنت ونأخذ نحن بالمثل القائل: “تسمع بالمُعَيْديِّ، خيرًا من أن تراه”..

يا صاحب الحرف النظيف، الباحث عن رسالة وأتباع، وعن خلود في الإبداع، وعن انتماء عزيز، وشرف ومنعة وارتفاع.. تعال ضع حرفك في مناخ يختلف عن كل ما عرفت وما عرفنا من فتن وأدواء، وعما شكَّل “مناخ عطاء لك في السابق”، ورَهَقًا لنا في اللاحق، فنحن اليوم في مواجهة من أجل البقاء، لا من أجل التحرير والحرية والرخاء، كما كان الحلم والرسم والرجاء، وتجري في أحشاء مجتمعنا تغيرات جديرة بأن تشهد ولادتها، وأن تسهم في رصدها وقيادتها، فما عاد حرف اليوم.. في واقع الناس اليوم، قادرًا على أن يكون حرف الأدب الجميل فقط، إذا ما اكتفى بأن ينشد جمال الأسلوب والتركيب والصورة والتخييل، وفصاحة اللفظ والمحسِّنات البيانية والبديعية، وتحتشد فيه العواطف والمواقف، بهمة قعساء ليس لها في واقعنا وعاء؟! فعوامل حياة الأدب ومناهله اختلفت اليوم نسبيًّا، باختلاف عوامل حياة الناس ومقوماتها، وبسبب اهتماماتهم وضائقاتهم ومعاناتهم، واختلفت كذلك باختلاف الظروف والشروط التي يحتمها ما يفرض عليهم من مناخ عمل وحياة. في المخيمات أو في الكهوف، في النزوح أو في اللجوء، في لظى القيظ، وفي صقيع الشتاء.

وعلينا، يا صاحب الحرف، أن نغرس اليوم حروفنا في مدننا المدمرة، وقرانا المهجورة، ومزارعنا التي أضحت مقابرنا، وأن نتقرَّى آثارنا التي أصبح بعضها ذكرى، وسطورًا في سجلات المتاحف التي تحمل بعض تاريخ وطننا وحضارة أمتنا وملامح من شخصيتنا وخصوصيتنا.. وأن نتنفس مع سكانها، لنتأصل في تربة الأصيل، ولا نكتفي بالانغراس في التراث المكتوب، والكتاب المجلوب، وتبعية الطامع، والضائع، والمُستَلَب، و المسلوب.. حتى يتسنى لأدبنا أن يحمل روح الأمة وهويتها، وما يهم الأحياء فيها، وما يعبر عنهم. وعلينا أن نستمد شيئًا ونعطي للحياة أشياء، لأن الحرب والإرهاب، والاضطهاد والطغيان والعذاب، والغزو والاحتلال والاستلاب، كل ذلك يمحو كل معالم وجودنا، ويجتث الجذور.

إن معايشة الفلاحين والعمال والفقراء، والأطفال الذين لا يأمنون على حياتهم فوق سطح الأرض، والنوم في العراء أو في المخيمات والمعسكرات والمدارس والكهوف، في العتمة والرعب والقهر.. ومعرفة من يقدمون للناس حياتهم، ومن يسرقون منهم تلك الحياة، والتعرف على أوضاع الجرحى والمعوقين والمشردين، والعاملين في زمن الموت المجاني، ومعرفة أوضاع من يقاتلون على غير هدى، فيَقتُلون أو يُقتَلون.. كل ذلك وسواه تستمد منه الكتابة نسغ حياة جديدًا، في معطى واقعي عصري جديد، ويجب أن تستمد الكتابة نسغ حياة جيدًا في معطى عصري جديد دائمًا، ويجب أن تستمد نسغ الحياة، ولا بد من أن تأخذ وتعطي وتتفاعل، ويكون لها ما تقوله في مثل هذا الزمن، وهذا المناخ، وهذا الجنون على الخصوص، لأن ما يجري هو الذي يصنع صور الحياة وصورة الفن والأدب، اللذين يعبران عنا وعما نراه ونريده في حياة.. هي تكليف، ويمكن أن تكون فيها خيارات أيًّا كانت، وأيًّا كانت المعاناة فيها.

إن تربتنا خصبة أيها العزيز الذي يفلح حقول الروح، ويبذر فيها الكلمات، والمناخ ملائم لعطائنا، والمدى الذي ذكرت، لا تحده حدود، فهناك مشكلات الجرحى والمعوقين والنازحين والمهجرين، والمحرومين حتى من قول على قول، وهناك الذين يعانون من صنوف الاحتلال، بين احتلال الأرض، واحتلال الرؤوس والإرادات والأفئدة.. وكلٌّ له طعم الذل في كل الأحوال، وعلى حروفنا أن ترفض الذل، وتتصدى لمن يفرضونه على الإنسان. إن تربة حرفنا خصبة يا حامل الحرف، ويا جاعله برقًا في ديم النفوس، وليس هناك ما يسوِّغ أن نبقى في منافي أو معازل أو قواقع أو صوامع، سواء أكانت مادية أم معنوية، مختارة أم مفروضة، قريبة أم بعيدة، مهما عزت مواقعنا ومواضعنا.. هناك دم عزيز يبذل، ونضال يومي يخاض في وطننا ومن أجله، ضد كل عدو ومحتل، وضد مَن توطَّن في نفوسهم ورؤوسهم السوء والغزو والقتل والظلم والقهر، وشهوة العدوان والسلطان، وحرمان الآخرين من حقهم في الحياة، ومن الحوار والحرية والشعور بالعدل والمساواة، والإحساس بالكرامة في الحياة.. وهناك كثرة منتفضة، تعيش على سطح الواقع، يدفعها الوهم والطموح والجموح إلى مزيد من الجموح..

وقلَّة منبسطة على أكثر من حقها ومداها.

تربة حرفنا خصبة، يا صاحب الحرْف، وشرف الكلمات موفور لمن يريد لكلماته حياة وشرفًا ونقاءً وبقاءً، والواقع يقدم أكثر بكثير مما يحلم واقعي بوجوده، في حياة تعمق صلة الأدب بالحياة، وتأثر الأحياء بالأدب.. وفي واقع ينتظر أن تدخله الحروف، لتبرأ من الظلم والظلمة، فتُنار بالإنسان، وتنير دروب الإنسان.

فلنأخذ من واقعنا بصدق، وليحمل أدبنا مصداقية تعيد للكلمة شرفًا وتألُّقًا وفاعلية، وانغماسًا في المصداقية ليخلد الإبداع، وليكن في حبرنا حرارة ما يسفك في أرضنا من دم، فنحن أصحاب الحرف والحبر وأصحاب الأرض والدم.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الملك سلمان سيتفقد أحوال المواطنين في المنطقة الشمالية للمملكة ويقوم بتدشين مشروعات تنموية في مناطق شمالية من بينها مدينة وعد الشمال للصناعات التعديني

News image

الرياض - قال الديوان الملكي السعودي الثلاثاء إن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز سيس...

اليمن: التحالف العربي يوافق على إجلاء جرحى حوثيين إلى سلطنة عمان

News image

وافق التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن على مقترح إجلاء نحو خمسين جريحا من ...

فصائل غزة توافق على تهدئة إذا أوقف الاحتلال عدوانه

News image

غزة/القدس المحتلة - قال مسؤولون فلسطينيون إن الفصائل المسلحة في قطاع غزة وافقت اليوم الث...

مجلس الأمن يفشل في الإجماع على قرار غزة

News image

أعلن مندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة منصور العتيبي، أن المشاورات التي أجراها مجلس الأ...

الحريري يتهم نصرالله بتعطيل الحكومة

News image

ذكر الرئيس المكلف تأليف الحكومة اللبنانية سعد الحريري على ما وصفه بـ»البهورات والتهديدات» التي أطل...

بمناسبة زيارتة الى منطقة القصيم : خادم الحرمين يوجه بإطلاق سراح جميع السجناء المعسرين من المواطنين بالقصيم في قضايا حقوقية و يدشن أكثر من 600 مشروع بق

News image

بمناسبة الزيارة الكريمة التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعو...

واشنطن تدشّن المرحلة الثانية من العقوبات وتهدد بضغوط على إيران «بلا هوادة»

News image

تشكّل الرزمة الثانية من عقوبات مشددة فرضتها واشنطن على طهران، وبدأ تطبيقها أمس، اختباراً للن...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

قصيدة: البوح الكستنائي..

أحمد صالح سلوم

| الجمعة, 16 نوفمبر 2018

على سطح سريرك نبيذ ورماد وبعض العنفوان امر متأنيا امام اعجوبة الاستعارات على سهولك ...

الثنائية في المنهج الديكارتي

د. زهير الخويلدي

| الجمعة, 16 نوفمبر 2018

" يكفي أن نحسن الحكم لكي نحسن الفعل "1   لقد علمنا رونيه ديكارت1596-1650 الكيفي...

هكذا يُفْعل بمن يمسّ بشرف الكاهن الأكبر

د. حسيب شحادة

| الجمعة, 16 نوفمبر 2018

  في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي رواها الكاهن الأكبر عبد المعين بن صدق...

نبطي أو شعبي؟

د. حسن مدن | الجمعة, 16 نوفمبر 2018

  طرح الأديب العماني عبد الله حبيب ملاحظة مهمة للنقاش حول التفريق بين الشعرين: الشعبي...

الشارقة في مهرجان الكتاب

د. عبدالعزيز المقالح

| الجمعة, 16 نوفمبر 2018

  للشارقة يد بيضاء على الثقافة العربية في هذا الظرف العصيب من تاريخ الأمة، وبعد أ...

حل الشتاء الابيض!

د. سليم نزال

| الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

  انهض فى الصباح الباكر و انظر من خلال النافذه .الثلج يتساقط بلا توقف و الشج...

البُسْفور (2 ـ 2)

د. علي عقلة عرسان

| الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

  كم على الماءِ كتبْنا، وذَهَب.. يذهبُ الكاتبُ بالماءِ على الماءِ، ويُمحَى ما كَتَب. يذهبُ ...

الشهيد عمر يتهادى بحضور الشهداء...

محمد الحنفي | الاثنين, 12 نوفمبر 2018

  الشهيد عمر... قبل اغتياله... كان يبدي استعداده......

"بردة الأشواق" ديوان جديد للشاعر حسن الحضري

| الاثنين, 12 نوفمبر 2018

صدر للشاعر حسن الحضري، ديوانه السابع، بعنوان "بردة الأشواق"، عن مكتبة الآداب للنشر والتوزيع بال...

إلى الهنود الحمر في الخان الأحمر..

محمد علوش

| الاثنين, 12 نوفمبر 2018

يا كل جهات الأرض ويا كل الأمم المتحدة والمضطهدة الخان الأحمر عربيٌ ينبت قمحاً عرب...

قصيدة : قطرات ندى على صباحك..

أحمد صالح سلوم

| الاثنين, 12 نوفمبر 2018

باسم الحضارات التي استغلت عبقرية الإحساس على قوامك..   باسم الثقافات التي استلهمت...

حدود قراءة محمد شحرور للموروث

د. زهير الخويلدي

| الاثنين, 12 نوفمبر 2018

"القرآن عربي وأنزل بلسان عربي مبين ومن أجل فهم إعجازه البلاغي لابد من التعمق في ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم10376
mod_vvisit_counterالبارحة53304
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع324712
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي316540
mod_vvisit_counterهذا الشهر773355
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1644529
mod_vvisit_counterكل الزوار60557329
حاليا يتواجد 5027 زوار  على الموقع