موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

دَعوةٌ للإنشاء.. في سِفْرِ الشَّقَاء

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

الحرف مغموس بماء الورد، يحمل وجيب القلب، وطعم العاطفة، ولون الانفعال.. عند العاطفيين، والريشة عندهم شعاع، تسطّر على صفحات النسيم ، وعلى أديم الماء والسماء، قصص الشوق، والترنح على أعتاب التَّوق، وتعبِّر عن اندفاعات الحب، ونزق الروح، وانتفاضة الفكر، والحرية المسكونة بالحركة والرعب.

 

والحرف مغموس بالدم، ينبض بألم القلب، وشقاء الروح، وقهر المضطَهَدين والمظلومين.. عند الثائرين والمقاومين والمدافعين عن حق، والواقعين تحت رحمة الإرهاب، وسيف الاضطهاد، وظلم الجهلاء، وادعاء السُّفهاء، وعدوان الأقوياء.. إنه إناء الوعي، وسطوع الغضب، وصوت الضمير، واستغاثة الإنسان بالعدل، والعدل بالإنسان، وانتظار النصر الجدير باسمه، ذاك المحمول على أجنحة الشهداء والمناضلين، والقادم بخير وفَرَج، على البؤساء والتعساء والمحرومين. وهو دفقة الأمل في جسد المتعبين المهمَّشين، والمنبوذين في هذا الموقع أو ذاك من أرض البشر. والريشة عند أولئك رصاصة، أو خنجر، أو قذيفة، تحفر على وجه الوقت والحياة والأرض، وقائع تسجلتها مواقف، للإنسان ضد الإنسان، قد يغفلها التاريخ، وتجسد تغيّرات أملتها إرادته الواعية لما يريد، أو تحوله إلى أداة تحركها عقول وإرادات واعية لما تريد، وقد تحيله إلى وحش من حيث لا يظن، ولا يرغب، ولا يريد. وهي في مختلف الأحوال تقود مسيرة، وتتوثب لمواصلة السير والصيرورة.

والحرف مغموس بالدمع، يشهق بالآه، ويلوك الحنظل، وهو يقارب ما يطاق وما لا يطاق، و يحمل مرارة الصبر، ويمضي وراء لمع سراب في صحراء، كحد سيفٍ صقيلٍ مصلتٍ فوق هامَة، يهيج لهاث وامق يشتد في طلب فرج ويقين، في رمضاء زمنٍ لا فرج فيه ولا يقين.. هكذا هو عند الفقراء، والسّجناء، والأسرى، والمظلومين، والمشردين في المخيمات، وتحت الأشجار العارية، في عواصف ثلج شتاء، ليس كفيض برده فيض، وفي لظى قيظ يشتد فوق تفجّر براكين غيظ. وربما كان في مثل ذلك، عند المستضعَفين ومن هم في حكمهم، ممن يحكمهم ظالم، ويحكم باسمهم قاتل، ويتحكم بهم، ويقتلهم.. مستَعمرون وعنصريون ومستبدون.

إنه الحرف، وعاء المعاناة وبيانُها، ولسان الإنسان وحصانُه، وأمل مشرق، وعتمة قنوط، وميزان حقٍّ ينتصب بقوة الضمائر الحية، ويتطلع إلى أن ينسكب، بأدائها القويم، عدلًا، ونعمة، وأمنًا، وأداء صالحًا، وصلاحًا، وبلسمًا، وشفاء.. والريشة عند المؤمنين الصابرين المثابرين، معول يهدم الحواجز، ويحيل المستحيل، ويهدّم عروش الظلم وجبروت الطغاة، أو يحلم بذلك ويعمل من أجله، ويحرص على أن يفُل الظلام بأشعة الوعي، وأن يكسر سطوة الإنسان على أخيه الإنسان.. وهي تألق يبني، كما بنى جن سليمان له وبأمره، حصونًا وقصورًا وصروحًا.

والحرف يكون.. ويكون.. ويكون. وهو مدعوٌّ في زماننا وأوطاننا، اليوم أكثر من أي يوم، إلى الإنشاء في سِفْرِ الشقاء، فينهل من قلب الوطنيّ المنتمي المُحب، ومن جراح الناس، ودماء الشهداء، وغضب الثائرين بحق، والمدافعين عن الحق، ومن صبر الجائعين، وقهر المقهورين، وألم المحاصرين، والمشردين، والمهجَّرين، و… لكي يصنع حلم الشعب بتوقف الفتنة والقتل والدَّمار، وسيل الدم.. لكي تُشرق من جديد شمس الاستقلال والاستقرار والازدهار.. حلم الشعب بالحرية والتحرر والتحرير والتغيير، وبالنهوض والارتقاء، في وطن يعمه الأمن والسلم أولًا، وتراعى فيه شؤون الناس، بما أمر به إله الناس، بديع السماوات والأرض، خالق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، من عدل ورحمة للعالمين.

ففي أرضنا اليوم شرٌّ يفرِّخ شرًّا، ومطر من سجّيل، ورُكام الدم والطين، وتيه يلف العارفين، ويزعزع اليقين كلما ارتسم في الأفق يقين.. في أرضنا موت الروج، وموت الضمير، وموت الجسد، وكل ما يجلب الموت، وما يكاثره، ويرسخ جذوره في حقول الأنفس، ذات الخصب الفريد.. في أرضنا واقع جديد، يفرض على الحرف أن يتقرّاه، وأن يعرفه ويستقرئه ويستلهمه، ويتعامل معه تعاملًا نوعيًّا واعيًا، مسؤولًا، مختلفًا عن كل ما سبق من تعامل للحرف مع واقع، ومع ما يتطلع إليه بشر يعيش واقعًا مرًّا يرفضه ويُفرَضُ عليه، وينشُد آخرَ مغايرًا لا يصل إليه.. ومع وضع طما فيه سيل العدوان والفتن، وأهين فيه الإنسان والوطن، واستهين بهما في السرِّ والعَلَن.. حتى أصبح ابن آدم فيه، فيما يشبه القَرَن، مع الشّيءِ والمادة، ورانَ عليه ما ران من هوان، حتى ضَعُفَ وهزُلَ وهان، وأصبح بين الخلق كجمَل أجرب، أفْرِدَ وطُليَ بٍقَطِران.. وهذا مما لا يليق به، ولا يمت إلى تاريخه العريق بصلة، ولا يجوز أن يوصَمَ به، ويُسمَّى عليه.

هناك في تربتنا الاجتماعية والنضالية والثقافية دعوة مفتوحة وملحة، لاستنبات الكلمات والمواقف والموضوعات في حرارة الواقع، ودقة الوقائع ومصداقية الوثائق، بمسؤولية وموضوعية.. بعيدًا عن الأبراج العاجية وتأثيراتها، وعن الدوامات الكلامية وضبابياتها، والشطحات الخيالية وصبواتها، والنظريات الطوباوية وتهويماتها، والديماغوجية وافتعالاتها، وبعيدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء، عن التجارة بالوطنية والناس، بالكرامة والحرية، بالرغيف والدم، بالصّغير والكبير.. فالحرف المسؤول ليس للتضليل، ولا للتبسيط أو التهويل، ولا لنثر بريق على جبين هذا وذاك، ممن لا يستحقون، أو ممن يدفعون ثمن الحرف وصانعه، ويجيرون لأنفسهم ما يتقنه من فنون، ولا هو، ولا ينبغي أن يكون، نجومًا على أكتاف وحوش، وإرهابيين، وطائفيين، وفتنَويين، وانتهازيين، وقتلة محترفين، للأطفال والمدنيين.. ولا هو منفاخ ساسة، ولا طبلٌ وبوق في سوق سياسة.. ولا يليق به أن يكون أداة يستخدمها أشخاص من ذوي المواهب “الخُلَّبيَّة”، الذين يقتنصون الوسائل الرسمية وغير الرسمية، ويتلطون في ظل هذا الحاكم أو ذاك، هذا المعارض أو ذاك، هذا المسلح أو ذاك، هذا المموِّل أو ذاك.. هذا المستعمر والمستثمر، في القتل والإرهاب والخراب أو ذاك.. فتربة الحرف، وحوضه، ومستنبَته، أطهر من ذلك وأسمى وأرفع قدرًا. وهي تربة ليس الكتاب موطنها الوحيد، ولا الصَّنعة سمادها الوحيد، ولا الخيال نباتها الفريد.. إذ إن معظم قيمتها وزينتها، في تغذية المُفيد، والمُنقذ، وتعزيز مكانة القويم والبديع.. إنها تربة خصبها: “الانغماس في عمق الأزمات والصراعات، والصعوبات، والمعاناة، والتناقضات، والمشكلات العويصة، “السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأخلاقية والروحية، الوطنية والقومية والإنسانية”، وهي كلها، في تداخلها وتفاعلها، تداخلًا وتفاعلًا، عضويي التكوين والتأثر والتأثير، الوسط الملائم لاستنبات الحرف، وإحيائه، وإبرائه، في الغوص عميقًا في تكوين نفسي وقيمي وروحي وأخلاقي، غدا مضطربًا ومتوثبًا ومتطرفًا ومتورّمًا مريضًا في حالات. ليدفعه، بوعي واقتدار ومسؤولية، إلى التفاعل والتغيير وإعادة التكوّن والتشكّل، في معطى جديد مؤثّر في حياة الناس والمجتمعات، التي لم يعد الاستهلاك وقيمه ومظاهره، والفساد وألوانه، والانحلال وصوره، إلا بعض أعراضه وأمراضه وعوامله.. معطى مجتمعات يحمل المتناقضات، ونزوعَ المتناقضين إلى الاعتراك والاصطراع والاقتتال حتى الموت، من أجل بلوغ غايات ليست هي الغايات في الحياة.. وفي خضم سياسات، تشرع في فضاء الروح سيف الخوف من الآتي، وعدم الثقة بالشخص الكفء المواتي، نتيجة لخبرات وتجارب مرة، كونها الزمن القريب في مختبر الممارسات والأحداث المرعبة، فأغرق الخلق في مسارات الدم والدمار، حيث صار ذلك يراود نفسَ الغبي والأريب، وضمير كل منهما، ويحكم الكثير من الأنفس ويتحكم بها. وهذا الواقع خلق مناخًا خاصًّا، حتّم ولادة خاصة، ودعوة أخص، لمواجهة ما لا يُقبل، ولا يَحمِي، ولا يَبني، ولا يُحيي.

فإلى ذلك الذي يستنبت الحرف في الجرح، ويغذيه من تربة الواقع، ومن تواتر المواجع، أقول: أيها الحامل ضوءًا وتوهجًا، ونوع رؤى، وإيمانًا متجذرًا، وقولًا طيبًا يتجسد عملًا، ويبذر أملًا، ويستنبت إرادة حياة.. يا من يُشرِع في مدى الآفاق شراعًا منقذًا.. أيها الناشد حقيقة تشفي، ومصداقية تعطي للوجود وللحوار معنى، ولما تقدمه للناس من معرفة ورأي وخبرة ونصح وغنى.. تعال أفلح أرضًا تحتاج إلى من يفلحها، وارتبط، أخذًا وعطاء، بأناس يحتاجون إلى من يعطيهم بإخلاص، ويترجم عنهم بأمانة وعمق وشفافية وحيوية، وباقتدار وحسن نية.. تعال خذ حياة الحرف من حياة الظرف، وليدفع حرفُك الإنسان إلى التفاؤل، والتشبث بالحياة، والانغراس في المكان.. تعال استفد من كل لحظة يجود بها الزمان.. لحظة يشرق فيها العقل ويتجلى فيها الضمير، فتجود بنوع من الوعي يرتفع فيه شأن القيم، وينتشر فيه الأمل، وتُستنبت في الأعماق إرادة خيرة، وقدرة على ترجمة تلك الإرادة إلى عمل جماعي.. تعال ادعُ إلى قيادة راشدة، ومسؤولية رائدة، إلى وقف القتل، ولجم الفتنة والشر.. إلى منع تحول أشخاص إلى وحوش، وبيئات صالحات إلى دِمَن، وبلدات وقرى خصبة إلى بلاقع.. وامنع أن ينتشر وباء الكراهية بين الناس فتتحول المجتمعات إلى أوساط بلاء وابتلاء، وفَناء وإفناء.. تعال فعِّل عقلك، ووعيك، وإبداعك، وساعدك، وعواطفك، وإيمانك .. في تغيير لا يتم بقتل من ينبغي التغيير لأجلهم أو بواسطتهم ولمصلحتهم.. تعال اعمل في الظرف القاهر، ولا أقول الصعب، وفي عصر ضياع القيم، واضطراب المعايير، وموات الشيم، وتشظي الشعب والأنفس.. تعال وجّه شراع المركب وثبته في خضم البحر الهائج، واجه العاصفة، وخذ على يد من يريد أن يخرق السفينة، ممارسة لما يسميه حريته؟!.. تعال احمل الهمَّ، واترك الوهم، انغمس في البيئة الحاضنة، واترك الدريئة والذريعة.. تعال ابني ولا تكتفي بالنهي والذم، تعال إلى الناس والوطن والأرض، لتفلح فيها، وتبذر بذارك الذي تدَّعي أنه الأصلح.. ولا تبعنا من وراء البحار، ومن خلف والأسوار، أقوالًا متعالية، متخمة بعوامل العجز وأنواع الفرار، بينما يداك في الماء وأيدينا في النار.. تعال إلى الأرض والفعل والمسؤولية، واقبض أجرك مثلنا بالعملة المحلية، وانزل إلى السوق لتشتري رغيفك، واعرف من أنت بين من تدعي أنك تمثلهم، وتقبض باسمهم ومن أجلهم، وتبيع وتشتري بهم وبوطنهم ومستقبلهم، ومَن ترسل الموت إليهم أو تسببه لهم.. ففي كل يوم يقتلنا من يدعي أنه: يحمينا، ويحررنا، ويخلصنا، ويدافع عنا، ويموت من أجلنا.. تعال إلى أرض البناء والعمل والوفاء، واشقَ فيها مع من يشقى فيها، بسبب منك وبسبب من سواك.. تعال وإلا فلا حاجة لنا بخطابك، أو نواحك، أو غنائك، أو طحينك، أو سلاحك.. لأنه لن يكون هناك من يسمعك، بعد أن ندَر وجود من يصدقك أو يثق بك.. واعلم أنه لن يكون في غنائك، بعد كل هذا البلاء والابتلاء، ما يطرب.. فقد عفنا الغناء والمغني، واللحن والملحن، والإيقاع والعزف، والطبل والصنج، والدّف والزّف، لكثرة ما سمعنا وما شفنا، وما عانينا.. ولكثرة من دفنا من أحبة، وما عجزنا عن دفنهم من أطفال وأبناء وإخوة وشيوخ ونساء.. تعال لنا ونحن في المحنة، وإلا ابتعد، وابق حيث ترتاح، وأرحنا، وخذ أنت ونأخذ نحن بالمثل القائل: “تسمع بالمُعَيْديِّ، خيرًا من أن تراه”..

يا صاحب الحرف النظيف، الباحث عن رسالة وأتباع، وعن خلود في الإبداع، وعن انتماء عزيز، وشرف ومنعة وارتفاع.. تعال ضع حرفك في مناخ يختلف عن كل ما عرفت وما عرفنا من فتن وأدواء، وعما شكَّل “مناخ عطاء لك في السابق”، ورَهَقًا لنا في اللاحق، فنحن اليوم في مواجهة من أجل البقاء، لا من أجل التحرير والحرية والرخاء، كما كان الحلم والرسم والرجاء، وتجري في أحشاء مجتمعنا تغيرات جديرة بأن تشهد ولادتها، وأن تسهم في رصدها وقيادتها، فما عاد حرف اليوم.. في واقع الناس اليوم، قادرًا على أن يكون حرف الأدب الجميل فقط، إذا ما اكتفى بأن ينشد جمال الأسلوب والتركيب والصورة والتخييل، وفصاحة اللفظ والمحسِّنات البيانية والبديعية، وتحتشد فيه العواطف والمواقف، بهمة قعساء ليس لها في واقعنا وعاء؟! فعوامل حياة الأدب ومناهله اختلفت اليوم نسبيًّا، باختلاف عوامل حياة الناس ومقوماتها، وبسبب اهتماماتهم وضائقاتهم ومعاناتهم، واختلفت كذلك باختلاف الظروف والشروط التي يحتمها ما يفرض عليهم من مناخ عمل وحياة. في المخيمات أو في الكهوف، في النزوح أو في اللجوء، في لظى القيظ، وفي صقيع الشتاء.

وعلينا، يا صاحب الحرف، أن نغرس اليوم حروفنا في مدننا المدمرة، وقرانا المهجورة، ومزارعنا التي أضحت مقابرنا، وأن نتقرَّى آثارنا التي أصبح بعضها ذكرى، وسطورًا في سجلات المتاحف التي تحمل بعض تاريخ وطننا وحضارة أمتنا وملامح من شخصيتنا وخصوصيتنا.. وأن نتنفس مع سكانها، لنتأصل في تربة الأصيل، ولا نكتفي بالانغراس في التراث المكتوب، والكتاب المجلوب، وتبعية الطامع، والضائع، والمُستَلَب، و المسلوب.. حتى يتسنى لأدبنا أن يحمل روح الأمة وهويتها، وما يهم الأحياء فيها، وما يعبر عنهم. وعلينا أن نستمد شيئًا ونعطي للحياة أشياء، لأن الحرب والإرهاب، والاضطهاد والطغيان والعذاب، والغزو والاحتلال والاستلاب، كل ذلك يمحو كل معالم وجودنا، ويجتث الجذور.

إن معايشة الفلاحين والعمال والفقراء، والأطفال الذين لا يأمنون على حياتهم فوق سطح الأرض، والنوم في العراء أو في المخيمات والمعسكرات والمدارس والكهوف، في العتمة والرعب والقهر.. ومعرفة من يقدمون للناس حياتهم، ومن يسرقون منهم تلك الحياة، والتعرف على أوضاع الجرحى والمعوقين والمشردين، والعاملين في زمن الموت المجاني، ومعرفة أوضاع من يقاتلون على غير هدى، فيَقتُلون أو يُقتَلون.. كل ذلك وسواه تستمد منه الكتابة نسغ حياة جديدًا، في معطى واقعي عصري جديد، ويجب أن تستمد الكتابة نسغ حياة جيدًا في معطى عصري جديد دائمًا، ويجب أن تستمد نسغ الحياة، ولا بد من أن تأخذ وتعطي وتتفاعل، ويكون لها ما تقوله في مثل هذا الزمن، وهذا المناخ، وهذا الجنون على الخصوص، لأن ما يجري هو الذي يصنع صور الحياة وصورة الفن والأدب، اللذين يعبران عنا وعما نراه ونريده في حياة.. هي تكليف، ويمكن أن تكون فيها خيارات أيًّا كانت، وأيًّا كانت المعاناة فيها.

إن تربتنا خصبة أيها العزيز الذي يفلح حقول الروح، ويبذر فيها الكلمات، والمناخ ملائم لعطائنا، والمدى الذي ذكرت، لا تحده حدود، فهناك مشكلات الجرحى والمعوقين والنازحين والمهجرين، والمحرومين حتى من قول على قول، وهناك الذين يعانون من صنوف الاحتلال، بين احتلال الأرض، واحتلال الرؤوس والإرادات والأفئدة.. وكلٌّ له طعم الذل في كل الأحوال، وعلى حروفنا أن ترفض الذل، وتتصدى لمن يفرضونه على الإنسان. إن تربة حرفنا خصبة يا حامل الحرف، ويا جاعله برقًا في ديم النفوس، وليس هناك ما يسوِّغ أن نبقى في منافي أو معازل أو قواقع أو صوامع، سواء أكانت مادية أم معنوية، مختارة أم مفروضة، قريبة أم بعيدة، مهما عزت مواقعنا ومواضعنا.. هناك دم عزيز يبذل، ونضال يومي يخاض في وطننا ومن أجله، ضد كل عدو ومحتل، وضد مَن توطَّن في نفوسهم ورؤوسهم السوء والغزو والقتل والظلم والقهر، وشهوة العدوان والسلطان، وحرمان الآخرين من حقهم في الحياة، ومن الحوار والحرية والشعور بالعدل والمساواة، والإحساس بالكرامة في الحياة.. وهناك كثرة منتفضة، تعيش على سطح الواقع، يدفعها الوهم والطموح والجموح إلى مزيد من الجموح..

وقلَّة منبسطة على أكثر من حقها ومداها.

تربة حرفنا خصبة، يا صاحب الحرْف، وشرف الكلمات موفور لمن يريد لكلماته حياة وشرفًا ونقاءً وبقاءً، والواقع يقدم أكثر بكثير مما يحلم واقعي بوجوده، في حياة تعمق صلة الأدب بالحياة، وتأثر الأحياء بالأدب.. وفي واقع ينتظر أن تدخله الحروف، لتبرأ من الظلم والظلمة، فتُنار بالإنسان، وتنير دروب الإنسان.

فلنأخذ من واقعنا بصدق، وليحمل أدبنا مصداقية تعيد للكلمة شرفًا وتألُّقًا وفاعلية، وانغماسًا في المصداقية ليخلد الإبداع، وليكن في حبرنا حرارة ما يسفك في أرضنا من دم، فنحن أصحاب الحرف والحبر وأصحاب الأرض والدم.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

علمتني العشق

شاكر فريد حسن | الأحد, 24 يونيو 2018

اسمك حبيبتي أعذب لحن ونشيد كم تبهرني ابتسامتك ورقتك وجمال عينيك وبحة صوتك   و...

ثقافة المجتمع والمتاجرة بالجسد

د. حسن حنفي

| السبت, 16 يونيو 2018

  بين الحين والآخر، نقرأ قصصاً حول بيع أعضاء بشرية بسبب الحاجة وضيق ذات اليد. ...

معهد إفريقيا في الشارقة

د. يوسف الحسن

| السبت, 16 يونيو 2018

  - استحضرت في الذاكرة، قاعة إفريقيا بالشارقة وأنا أقرأ بسعادة غامرة خبر تأسيس أول مر...

عجوز فى الأربعين

جميل مطر

| الخميس, 14 يونيو 2018

  جاء مكانها على يمينى فى الطائرة. لم تلفت انتباهى معظم الوقت الذى قضيناه معا فى...

بياضُ الرُّوح!

محمد جبر الحربي

| الخميس, 14 يونيو 2018

1. لعاصمةِ الخير مني الودادْ ولي، أنّها وردةٌ في الفؤادْ أغادرُها.. والرياضُ.. تعودُ   ف...

خمسة فناجين لاتيه

د. نيفين مسعد

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الغربة شعور غير مريح بشكل عام لكن في هذه المناسبات بالذات تصير وطأة الغربة...

عيد الطعام العربي

محمد عارف

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الطعام عيدٌ تُعيدُ لنا مباهجه وملذاته «نوال نصر الله»، عالمة أنثربولوجيا الطعام العراقية، و«ساره...

القُدس.. أوُرسَالِم..

د. علي عقلة عرسان

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

يا قُدْسَ.. صباحُ الخيرِ.. مساءُ الخيرْ، فأنتِ صُبحُنا والمَساءْ.. ضحْكُنا والبُكاءْ.   تميمةُ العربيِّ، ومحراب...

الدين والتنوير العقلاني والسياسي

د. السيد ولد أباه

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

  تساءلنا في مقالة الأسبوع الماضي عن طبيعة العلاقة بين ديناميكيات ثلاث عرفها المجتمع الغربي...

قصة قصيرة شدوا الأحزمة

هناء عبيد

| الاثنين, 11 يونيو 2018

وبخت زوجتي هذا المساء. كيف لها أن تطعمنا قليل من الجرجير فقط في وجبتنا...

الثقافة البديلة.. وتجديد الفكر

د. حسن حنفي

| السبت, 9 يونيو 2018

  في الآونة الأخيرة، جرى البحث في الإعلام بأنواعه ليس فقط عن الثقافة في ذاتها ...

طفلة فى الأربعين

جميل مطر

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

  عادت المضيفة مع مضيفة ثانية لإخلاء المكان من صحون الطعام وكؤوس الماء والمشروبات الأخرى...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم16659
mod_vvisit_counterالبارحة36532
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع16659
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي218240
mod_vvisit_counterهذا الشهر715288
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54727304
حاليا يتواجد 2678 زوار  على الموقع