أغنياء بالجمال

السبت, 08 أبريل 2017 08:56

فاروق يوسف

ثقافة وفنون
طباعة

 

ما علاقة العصافير بالزقزقة؟ تذهب العصافير فيما الزقزقة تبقى، قبلت إحدى السيدات ذات يوم واحدة من لوحات الأميركي سي تومبلي، تركت أثرا من أحمر شفتيها على سطح اللوحة الأبيض بما يشكل اعتداءً صارخا على عمل فني.

 

حين قُدمت إلى المحاكمة، قالت “لم أملك سوى القيام بذلك، كان هناك نداء خفي استدرجني من غير أن أقوى على مقاومته”، لقد امتزجت تلك السيدة بالزقزقة.

وجدت نفسها فجأة أسيرة لأصوات متخيلة، كانت زهور تومبلي تطلقها فانزلقت إلى الحب من غير أن تدري، الجمال يفعل ذلك دائما، إنه يحيط بنا من كل الجهات فلا نجد مخرجا للهروب منه.

يتمنى المرء أحيانا لو أن الجمال كان أقل، وهو قليل، لكي لا يتعذب حين ينتقل إلى العالم الواقعي الذي يتباهى بكثرته، متذوقو الجمال هم أشبه بتلك العصافير التي تترك الزقزقة على أغصان الأشجار.

كان جبرا إبراهيم جبرا حين يغادرني يتركني عالقا بين كلماته التي لا تكف عن إطلاق الموسيقى في أذني، كنتُ كائنا مستباحا، الجمال يغزو الحياة كما تفعل الزقزقة في الحقول، ولأن الزقزقة لا تُرى فإن الجمال هو الآخر يتوارى وراء كائنات وأشياء ووقائع، نكتشف من خلالها كرمه ونبله وعلوه ونزاهته.

هناك ترف في الجمال يعلو به على الفقر، ليس هناك جمال فقير، لقد أفقروا الفن حين وضعوه في خدمة الواقع، فالواقع هو الذي يجب أن يخدم الفن، كذلك هي علاقة الجمال بالبشر، فالجمال لا يُستخدم، بل يُخدم، لا لشيء إلا لأن وجوده يهبنا قوة ويجعلنا أقوى في مواجهة الواقع. أن نكون جميلين فتلك صفة استثنائية تحمينا من الإصابة بعدوى القبح، يحصننا الجمال بصعوبته، ولن نكون معه كائنات ميسرة للاختراق.

في قوة الجمال الكثير من الغنى الذي يصون كرامتنا، ولأن الجمال مثل الزقزقة لا يمكن القبض عليه، فإن الكائنات الجميلة تظل تحلق في الأعالي بعيدا عن المصائد الأرضية الصغيرة، بالجمال نعلو كما الزقزقة.

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف