موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
عائلة الشهيد صالح البرغوثي تخلي منزلها تحسّبًا لهدمه ::التجــديد العــربي:: بومبيو يرحب بنتائج المشاورات اليمنية ويعتبرها خطوة محورية ::التجــديد العــربي:: مقتل جنديين للاحتلال واستشهاد 4 فلسطينيين بنيران إسرائيلية بعد عمليات طعن واستهداف مستوطنين ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين ورئيس الحكومة التونسية يحضران توقيع اتفاقيتين ومذكرة تفاهم ::التجــديد العــربي:: الضفة: 69 إصابة برصاص الاحتلال الخميس ::التجــديد العــربي:: العراق: الحكم غيابياً على وزير المال الأسبق بالسجن 7 سنوات بعد إدانته بقضية فساد ::التجــديد العــربي:: عالم الفضاء المصري فاروق الباز: الصحراء الغربية بها مياه جوفية تكفي مصر 100 عام ::التجــديد العــربي:: 11.72 بليون ريال تحويلات الأجانب العاملين في السعودية خلال أكتوبر ::التجــديد العــربي:: البنك الدولي: 715 بليون دولار تحويلات المغتربين عام 2019 ::التجــديد العــربي:: السعودية أميمة الخميس تحصد جائزة نجيب محفوظ في الأدب ::التجــديد العــربي:: لجنة تحكيم «أمير الشعراء» تختار قائمة الـ 20 شاعراً ::التجــديد العــربي:: زيارة المتاحف تخفف الألم المزمن ::التجــديد العــربي:: قائمة الفرق المتأهلة لدور الـ 32 من الدوري الأوروبي ::التجــديد العــربي:: تيريزا ماي تنجو من "سحب الثقة" في حزب المحافظين ::التجــديد العــربي:: ترامب يختار الناطقة باسم الخارجية لخلافة هايلي لدى الأمم المتحدة ::التجــديد العــربي:: اصطدام قطار سريع في أنقرة يقتل تسعة أشخاص على الأقل وأصيب 47 آخرون ::التجــديد العــربي:: مطاردة ضخمة لمنفذ هجوم ستراسبورغ ومقتل 3 واصابة 13 ::التجــديد العــربي:: السلطات الفرنسية تناشد "السترات الصفراء" عدم تنظيم احتجاجات يوم السبت القادم ::التجــديد العــربي:: تحذير أمريكي عقب إعلان تركيا عن عملية جديدة ضد الأكراد في سوريا ::التجــديد العــربي:: السعودية: اتفاق لتأسيس كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن ::التجــديد العــربي::

هواجس وكتَّاب.. سامي حمزة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

هاجسي هذه الأيام، سدُّ الفرات، وأهل الفرات، مُدن: الطَّبقة، والرَّقة، ودير الزّور، وما بين بحيرة السدِّ وشط العرب، من أناس، وحياة وحضارة، وآثار، وتاريخ.. ومن تراكم معرفة، بتّ أهجس بما سيخلّفه الأميركي ذو الرصيد الإجرامي الكبير، من تدمير وتعثير، حيث يستهدف الوطن والأمة والثقافة بحقد وعَمَهٍ، ولا يعنيه من أمرنا كثيرٌ ولا قليل. فجأة امتلأت ذاكرتي بصور، ومرت بعض كبريات الأحداث كأجنحة الغربان، “معركة صفين”، وإلى الأعلى “مرج دابق” وغيرها، وغيرها.. وعَرَضَ لي مصيف الرشيد هارون، كأنما لم يكن، وجسر الحديد المعلق على نهر الفرات العظيم مكسور الظهر، يغطس بعضه في الماء، ويرفض الغرق.. ذلك الذي كان يعبره الخلق من الجزيرة إلى الشَّامية وبالعكس، قبل أن يُدمَّر. ولا أدري كيف أغمضت جفني، لأسمع ما كان يُسْمَع من لحن يستبطنه الحزن، أو حزن ينشره اللحن:

 

عالعين مُولَيّتينْ، عالعين مُولَيَّا

جسر الحديد انقطع، من دُوسْ رِجْلَيَّا

وانتشلتني من وهدة الضيق، صور أصدقاء تتالت، خِلْت أنها تَتَناخى قربي، لتنتشلني من ذلك الضيق، إذ لا ترضى لضيفها الضيق.. هذا عبدالسلام العجيلي بقلبه الكبير، وحبه الغامر لكل الناس هناك، وهذا شفيق الكمالي بطلّته ونخوته، وسعد صائب بدماثته، وخليل جاسم الحميدي بابتسامته الطفولية. وآخرون وآخرون من أبناء الفرات، وهم بعض، بعض، بعض من عَرفت.. ورأيتني أقترب من الرَّقة ومحيطها، من السد وما يعنيه، ومن مسرحي عرفته كان شابًّا، قبل أن ترهق الأحداث المُرة كيانه.. إنه سامي حمزة “١٩٤٨”، قاص وروائي ومسرحي سوري، انتمى إلى الوادي الخصب، بعد أن هُجِّرَ أجداده من القفقاس، فأصبح حامل راية، من رايات الإحساس الوطني. ولد سامي في بلدة “خَناصِر” من أعمال محافظة حلب، وعاش حياته في مدينة الرَّقَّة. وكان من بين الفائزين في مناسبتين هناك: مهرجان الرَّقَّة المسرحي الأول عام 2005، وملتقى القصة الرَّقيّ الثاني 2007 كتب القصة القصيرة، والرواية والمسرحية.

ومن مؤلفاته: استنشاق رائحة الليمون ـ اضطرام الهويس ـ ـ الدم جدًّا ـ تكلم لأراك ـ فيلم سكوب بالألوان ـ إمليس. وكل تلك قصص قصيرة. وله رواية واحدة بعنوان “البشر وحتى الشجر”، أما في المسرح فله: “المطر في خامس الفصول”، و”الطاعون يعسكر في المدينة”، نشرهما قبل عام ٢٠٠٠م.

يبدأ ابن مدينة الرقة، مسرحيته الطاعون بالحديث عن خرافة على شكل حكاية، يتناقلها عامة الشعب، ملخصها أن الإسكندر الأكبر كان له قرنان، ولا يعرف أحد من الناس هذا الأمر، سوى الحلاق الذي يقص شعره. ولكي يحافظ على بقاء هذا الأمر سرًّا، كان الإسكندر يقتل كل حلاق يقص له شعره.. وبقي مستمرًّا في عادته تلك، إلى أن بقي حلاق واحد فقط، فأبقى الإسكندر على حياته، نظرًا لعدم وجود غيره، واشترط عليه ألا يبوح بسره.

وضاق الحلاق بما حمل من سر، أورثه الهم والغم، فكان يتجه إلى بئر ماء فارغة، يضع رأسه داخل البئر ويصرخ: “الإسكندر له قرنان”، ثم يعود وقد خفف عن قلبه بعض الهم. وكان أن اكتشف الناس سر الإسكندر من جراء تناقل أصداء صوت الحلاق في البئر. وقتل الإسكندر حلاقه الوحيد، لأنه أذاع سرًّا كبيرًا وخطيرًا.. ولكنه لم يستطع أن يقتل ما انتشر عنه بين الناس.

وقد أخذ سامي حمزة، وهو شاب عرف في أحد مهرجانات فرق الهواة المسرحية، حيث قدم مسرحية بعنوان “المطر في خامس الفصول”، أخذ هذه الحكاية من بعض جوانبها، وأدخل عليها بعض التعديل، مستفيدًا من إمكاناتها، ليصور الطغيان والظلم والإرهاب الذي حل بمدينة من المدن، حكَمها ملك له أذنان طويلتان كأذني التيس. وقد أعدم الملكُ كل الحلاقين الذين اكتشفوا ـ بحكم عملهم ـ هذا السر، ولم يبق في المدينة سوى حلاق واحد، أحضره رجال الملك ليلًا من داره التي تشرف على ساحة من ساحات المدينة، كان يجري فيها إعدام الحلاقين. وكان سبب إحضاره، أن الرجال الذين أسند إليهم تنفيذُ الحكم بآخر حلاق أعدم، قاموا بإعدام الحلاق المحكوم، ثم تلوا الفرمان الصادر عن الملك بحقه، ويشير “الفَرَمان الملكي”، إلى أن ذلك الحلاق يشارك في مؤامرة ضد الملك، اكتُشفَت قبل تنفيذها.. وكانت التعليمات الملكية أن يُقرأ هذا “الفَرمان” على الناس، ليتعظوا وليعرفوا السبب.. ولكن بعد أن نُفِّذ حكم الاعدام، وتلي البيان، تبيَّن لرجال القصر، أن الساحة كانت خالية تمامًا من الناس، فلم يحظر ولا شخص واحد، لأن هذا المشهد أصبح مألوفًا جدًّا.. وقرروا في البداية أن يكذبوا على الملك ويخبروه بأن الناس حضروا وتجاوبوا مع قراره.. ولكن خوفهم من بعضهم بعضًا، منعهم من ذلك.. فاتجه أحدهم إلى باب دار قريبة، وأخرج صاحبها، وبالمصادفة كان حلاقًا، وبُدئَ بتلاوة البيان “الفَرمان” عليه، فأكمله هو عن ظهر قلب.. ومثَّل الجمهور في تلك الليلة. وفي صباح اليوم التالي، تنكر لمهنته كحلاق وبدأ يبيع اللِّبان في الشوارع، ويبحث في الخفاء عن زبائن يحلق لهم، بعيدًا عن المدينة. وقد أسرَّ لأحد الباعة، الذي كان يعمل مخبرًا سريًّا من دون أن يعلم به أحد، أسرَّ له بأنه حلاق، ويمكنه أن يحلق له.. وبعد فترة من الزمن، أعلن القصر الملكي عن جائزة لمن يعلم عن آخر حلاق تنكر لمهنته وغاب عن الأنظار، فيجد ذلك البائع فرصة للربح، فيبيع رأس الحلاق لقاء ثمن بسيط. ويُحمل الحلاق إلى القصر، وقبل أن يُعدَم يعرف أنه الحلاق الوحيد الباقي، ويتأكد من أن الملك لن يعدِمه لأنه بحاجة إليه.. فيبدأ خطا جديدًا من السلوك مع الملك، ولكن هذا الموقف لا يلبث أن يتغير، ويغير الحلاق سلوكَه، ويقبل عرض الملك بأن يحفظ حياته لقاء حفظه للسر، ويقوم الحلاق بعمله ويقيم في القصر، ويتزوج من امرأة هناك.. ويومًا بعد يوم يكبر الظلم في المدينة، ويكبر الهم في قلب الحلاق، فالناس في شوارع المدينة أصبحوا مزيّفين حتى العظم، ما عدا قلة قليلة، والحالة العامة فرضت نوعًا من اليأس وعدم الاكتراث، وحتى التشاؤم، واليأس من تبدلها بحالة أفضل.

ويطل وجه جديد من خلال الحوادث، هو وجه جلال، المثقف والكاتب الذي لم تفسده الأيام.. إنه يتجول في مدينته، ولا يكاد يتعرف على وجهها الجديد، ولكنه لم يفقد الأمل بعد، رغم أنهم سجنوه لأنه أشار إلى شيء مما يعاني منه الناس، وإلى الظلم الذي يسعى بينهم، ويثقُل عليهم.. وها هو ذا يخاطب المدينة بمرارة، واصفًا وضعها الذي آلت إليه، بشيء من الدقة، حين يقول: “يا مدينة ليس لهياجها موسم، يا من يُقتَل فيك كل من يعرفك ساعة الصباح الباكر، وقت لا تكونين قد لطخت وجهك الأرعن بمساحيق الغش والطلاوة.. ألأنني سريت في شرايينك وعرفت مواطن الداء…ألأنني غرست سكيني في بطنك المنتفخ وكشفت السرطان الساكن رحمك.. وأن الجنين ما هو إلا ورم خبيث.. يا مدينة استحالت إلى مستنقع كبير، وقف الحواة حولها ليوهموا الناس أنها بحر واسع.. بحر حقيقي.. عجبي أتنبح القافلة والكلاب تسير.”؟! ولكن هذا الوجه لا يلبث أن يغيب في زحام المظلومين.. ويخرج الحلاق في يوم من الأيام ليبثَّ الطبيعة ألمَه، ويخفف من ثقل السر الذي يحمله، فيذهب إلى حقل قصب، ويحفر التراب، ثم يهمس في الحفرة: “للملك أذنان كأذني التيس”، ثم يهيل التراب على الكلام ويعود.. ولكن التراب يلقن السر للقصب.. ويأخذ القصب بإذاعة السر غناء من خلال شبابات الرعيان.. وها هو السر يغزو المدينة وينتشر، من خلال غناء راع في شوارعِها. ويفزع الملك، ويجند رجاله، ويحضِر الحلاق لمحاكمة الموت.. وعندما يخبره الحلاق بأنه لم يذع السر، يسأل الراعي، فيوضح له الأخيرُ أن القصب نفسه يتكلم ويروي الحكاية. ويذهب الملك ليتحقق من القصب في حقول القصب، وفي أثناء ذلك تنتفض قلوب الناس في المدينة، وتتغير جلود البعض منهم، ويذهب الأمر ببعضهم إلى حد إعلان نفسه ملكًا، ويجلس على الكرسي.. ويحار الانتهازيون ماذا يفعلون.. أيهتفون للملك السابق أم لمن ملَّك نفسه حديثًا!؟ ولا يقدم أشيب.. الصحافي والفنان والأديب الذي عُين ليكون كل ذلك بمرسوم، بعد أن قدم للملك ورجاله ما لا يقدمه الرّجال.. لا يقدم أشيب نصائح مفيدة لطالبيها، في هذه الظروف الحرجة. ولكن عودة الملك تضع حدًّا للبلبلة.. فقد عاد ومعه بعض أعواد القصب، وقرر أن يستأنف ممارسة الحكم، مهما كلف الأمر، فقد حكم الناس سابقًا وكانت له أذنان طويلتان كأذني تيس.. فما الذي تغير من أمره، بعد علم الناس أنه يتمتع بأذنين طويلتين..؟! ويُقبِل المتزلفون الذين كانوا يسخرون حتى من أنفسهم، لأن ملكًا بأذني تيسٍ حكمهم.. يقبِلون عليه حامدين شاكرين مسلمين له الأمر.. ويلجأ بعضهم إلى تقليعة جديدة، يعتبرها شرفًا، إذ يركِّبون آذانًا طويلة، تيمنًا بالملك.

هذه الحوادث المحكيّة في حوار مسرحي مقبول، هي ما وضعه سامي حمزة في مسرحية من فصل واحد وأربع لوحات. وأرى أنه من المفيد لو أعاد المؤلف النظر في هذه المسرحية، وأعطى المواقف والشخوص حقّها من العناية، ومنحها فرصة التعبير عن نفسها بشكل أوضح.. فربما صنع من هذه المسرحية القصيرة، مسرحية طويلة متكاملة، ذلك لأن الفكرة جيدة، والشخوص تحمل هذا الموضوع بجدارة، والإمكانيات الأولية متوافرة. والمُلاحظ أن بعض الشخوص غابت بمجرد ظهورها.. كجلال.. وعلوان.. وكذلك الأماكن التي عرض فيها المؤلف حوادث مسرحية، تداخلت وأسرعت في طيها الشخوص من دون ضابط، ومن ثمّ من دون إقناعٍ فني.. على أن هذا لا ينفي أن المسرحية، بوضعها الحالي، جيدة، وتصور واقعًا مُرًا بلمسات معبّرة، وفنية تستحق الاهتمام.

وفي “المطر في خامس الفصول”، يعرِض سامي حمزة، في مسرحية رمزية، يكاد رمزها يغيب أحيانًا في ثنايا الكلمات، لتصوير أمتنا العربية، بعد أن حل بها التمزق، وسيطر على أبنائها الجهل والتخلف، وأصبحوا يشرَقون بألمهم، ويحسون بضرورة الخلاص مما هم فيه، ويجأرون بالشكوى.. ولكنهم لا يلجأون إلى العمل ليتخلصوا عن طريقه، مما يكبّلهم. إنهم “مساكين.. يتعبهم التواكل، جفونهم تستحم بدماء جباههم.. صدورهم تتهدم كمقالع الحجارة، بمعاول أهل الدار وأعداء الدار، أظفارهم تقطع الأثداء والألسن والرقاب والعيش، كما ورد على لسان أحد المتكلمين (م)، وهو يجسد فكرة، أو ضميرًا، أو شمعة، تنير الدرب للجموع التي ذهبت الجائحات بعقولها، ولحقت أرتالُها رغيفًا مسروقًا، وسكت منها العقل، وبكت الأمعاء، وسار أفرادها في التيه ضائعون يبحثون عن مخرج، ولكنهم لا يعرفون للخروج سبيلًا.. وعيبهم، أنهم عنصر الحركة، والقوة التي يمكن أن تغيّر الواقع السيئ، ولكنهم لا يتحركون.. الأمر الذي يتعب الشمعة أو الضمير أو الفكرة التي تقودهم، وتتجسد في (م) وتجعله يقول:

“قلبي، يا بوابة الألم.. اقطر.. اقطر ندمًا.. نقول لهم اعملوا يرفضون، عيشوا يرفضون، موتوا يرفضون.. ارفضوا يرفضون الرّفض، ارفضوا يرفضون رفضك.. طاوعهم تحترق وإياهم بنار الجهل”.

إنه وضعٌ محزن قاتل بالنسبة للأشخاص الذين يمثلون ضمير أمة وطليعتها واستنارتها.. إنه وضع محزن، إذ يجدون أمتهم، ومصدر القوة من هذه الأمة، في حالة ضبابية تحاول أن تصل إلى شيء لا تعرف ما هو.. ولا تقود ولا تنقاد، ويجعلها ذلك فريسة سهلة للمتخمين الذين يُثرون على حساب الفقراء الذين سحقهم الجوع والضياع.. ولذلك نجد رأس المال، وما يسير في ركابه من استعمار واستثمار، يسيطر ويتحرك ويقدم مشاريع مؤسية مضحكة، لحل مشكلة مثل هؤلاء القوم.. إنهم فقراء، والحل عنده وعند أمثاله، للقضاء على الفقر، هو القضاء على الفقراء.. وبذلك تنتهي المشكلة من أساسها.

هذا الشعب.. تسيطر عليه قيادات أو تحكمه حكومات، لا هم لها إلا الاشتغال بالعداوات الشخصية والتفاخر، ومحاولة خنق كل روح إيجابية، تبرز من أي شخص بين الجموع.

ولا يجد (م) سبيلًا للخلاص، إلا في جيل قادم، ينسف كل هذا الدّمار والتخلف والفساد والميوعة والتخاذل المتمثل في الجيل الحالي.. إنه يعلق أهمية على الأبطال الصغار الذين يقدمون الروح، ويمشون على طريق الشهادة، في سبيل خلق الثمرة الحقيقية.. ولذا تلجأ هذه الفكرة.. يلجأ ضمير الأمة (م) إلى قدرتها على الإخصاب والإنجاب.

إنها روح العطاء في الأمة.. إنها القدرة على قهر القهر.. والقدرة على البقاء.. أقول تلجأ الأمة، مجسدة في (م)، إلى إنجاب أطفال هم الأمل.. لكنهم يكبرون وهم داخل طوق النار المضروب حولهم، ولا تأسى أمهم ولا يأسى أبوهم عندما يسمع عن أن بعضهم يتعرضون للقتل.. لأن الموت الذي يلاحق هذه الطلائع، لن يأخذ إلا أضعف طيورنا.

وتستطيع الجموع الضائعة أن تجد طريقها وأملها في مجموعة الشباب الثائرين الذين ضربوا المثل عملًا.. ويدخل هذا الحنين الذي يمثل الثورة المسلحة، في العمل الفدائي، يدخل محمولًا على المسرح بين يدي من ذهب ليبحث عنه من أفراد برزوا في صفوف الشعب.. يدخل محمولًا ومحتضَنًا في الوقت ذاته، ولكن يد العمالة الممثلة في مأجور من أبناء الأمة وبعض حكامها، الذين يرقصون على رأس هرم أحزانها، يتقدّم ليغتال بغدر، هذا الجنين الوليد.. ودافعه إلى القيام بهذا العمل، هو الخوف على وجوده هو.. كما أنه دفع واضح من أسياده المتمثلين في قوة رأس المال والاستعمار والصهيونية، دفعهم له، ليقوم بهذا العمل الجبان، حفاظًا على وجودهم ومصالحهم، وليبقى الناس في الجوع والقهر والتيه.

المسرحية رمزية كما أسلفت، ولكن فكرتها وهدفها وكل أبعادها، لا تظهر بكل اليسر المطلوب، وإنما تحتاج إلى شيء من بذل الجهد والتركيز والتأويل، للوصول إلى ذلك. والأسلوب الذي اتبعه سامي حمزة، في الحوار المسرحي، أسلوب مقبول، تحس فيه بالغِنى الذي يبشر بإمكانيات لا بأس بها. ولا بد من الإشارة إلى أن محاولة إبراز رمز كالذي قصد المؤلف إلى إبرازه في مسرحيته، أمر لا يمكن بلوغه بسهولة.. إلا أنه، مع ذلك، بثَّ بعض روح الحيوية في الرمز الذي قصد إلى إبرازه.. ولكنه قدم كل ذلك ضمن إطار لا يحقق للدراما شروطها، فلا وجود لحدث ينمو، أو لقدرات تتصارع بشكل ملحوظ يؤثر في الحدث ويخلقه ويطوره.. إنه لجأ إلى استعراض حالة في مخيلته، مستعملًا لاستعراضها القوى الموجودة، ضمن إطار تشكّلها في خياله، متحكِّمًا في جسدها، وشدها إلى ما يريد، بشكل ملزم، لدرجة أنها فقدت معظم عفوية التصرف، وفقدت مقومات الكائن الفني القادر على المبادرة.. وخرج المؤلف بشيء يبدو كأنه نابع من ذاته، ولما يزل يتملكه، ولا يطلقه كائنًا فنيًّا حيًّا.

إن سامي حمزة يملك نفَسًا شاعريًّا، ولكنه يحتاج إلى أن يعايش الشخصية، وينمي الصراع، عصَب المسرحية، ويطور الحدث ليعبر عن الفكرة، أكثر من معايشته للفكرة ذاتها بتجريد شبه تام، لأن المسرح يحتاج إلى فكرة، تجسدُها وتطرحها وتقودنا إليها شخوصٌ عبر صراع، ومن خلال فعل ينير طرق المستقبل، ويعتمد الحوار وسيلة للتعبير.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

مقتل جنديين للاحتلال واستشهاد 4 فلسطينيين بنيران إسرائيلية بعد عمليات طعن واستهداف مستوطنين

News image

شهدت الضفة الغربية غلياناً أمنياً واستنفاراً عسكرياً للاحتلال بعد مقتل جنديين أمس في هجوم بسل...

خادم الحرمين ورئيس الحكومة التونسية يحضران توقيع اتفاقيتين ومذكرة تفاهم

News image

بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ورئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، جرى...

الضفة: 69 إصابة برصاص الاحتلال الخميس

News image

رام الله - - أصيب 69 مواطنًا، الخميس، خلال مواجهات مع جيش الاحتلال ومستوطنيه في ...

العراق: الحكم غيابياً على وزير المال الأسبق بالسجن 7 سنوات بعد إدانته بقضية فساد

News image

أعلنت «دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة» العراقية أن محكمة الجنايات المتخصصة بقضايا النزاهة اصدرت احك...

عالم الفضاء المصري فاروق الباز: الصحراء الغربية بها مياه جوفية تكفي مصر 100 عام

News image

كشف عالم الفضاء المصري وعضو المجلس الاستشاري العالمي برئاسة الجمهورية في مصر فاروق الباز، عن ...

السلطات الفرنسية تناشد "السترات الصفراء" عدم تنظيم احتجاجات يوم السبت القادم

News image

حثّ الممثل الرسمي للحكومة الفرنسية، بنيامين غريفو، أعضاء حركة "السترات الصفراء" على التعقل وعدم تنظ...

تحذير أمريكي عقب إعلان تركيا عن عملية جديدة ضد الأكراد في سوريا

News image

حذرت الولايات المتحدة من القيام بأي إجراء عسكري أحادي الجانب في شمال سوريا، وذلك بعد...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

من دفتر الذكريات

شاكر فريد حسن | الأحد, 16 ديسمبر 2018

  تلعب الكلمة الملتزمة والقصيدة المقاومة دورًا تعبويًا وثوريًا وتحريضيًا في معارك الشعوب المناضلة لأجل ح...

لماذا نجح ثروت عكاشة؟

عبدالله السناوي

| الأحد, 16 ديسمبر 2018

  لم يكن «ثروت عكاشة»، الرجل الذي ارتبط اسمه بأوسع عملية بناء ثقافي في التاري...

مظاهر الجمود الحضاري

د. حسن حنفي

| السبت, 15 ديسمبر 2018

  ترسب في الذهن الشعبي من الموروث التشريعي قدسية النص، وأن النص غاية في ذاته، ...

قصيدة :إيقاع جهات الياسمين

أحمد صالح سلوم

| السبت, 15 ديسمبر 2018

في زحمة المدينة الغارقة بتوترها والغبار ثمة إيقاع في حفلها المتوحد بين الأزقة والحوا...

مبدع في “وسائل التواصل الاجتماعي”

وليد الزبيدي

| السبت, 15 ديسمبر 2018

  الشاعر والإعلامي العراقي الأستاذ سامي مهدي يتواجد في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا في الفيس ...

بيت برناردا اخر مسرحيه كتبها غارسيا لوركا فى مقاومه طغيان الجنرال فرانكو!

د. سليم نزال

| السبت, 15 ديسمبر 2018

  قتل الشاعر غارسيا لوركا فى عز الحرب الاهليه الاسبانيه عام 1936 ..كانت كتائب الجنرا...

المَرْثِيَّةُ الرَّابِعَة (2)

محمد جبر الحربي

| السبت, 15 ديسمبر 2018

خليليَّ ما كتْمِي هواها غَضَاضَةً أتحبسني ذلاً لتُمْطِرَنِي وَصْلا..؟! وما كنتُ شتَّاماً ولا كنتُ ف...

جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة / أولاً : - اللغة المتموجة كما في : 1- نبض حرف .. بقلم : ظمياء ملكشاهي – العراق .

كريم عبدالله | الجمعة, 14 ديسمبر 2018

أولاً : - اللغة المتموجة كما في : 1- نبض حرف .. بقلم : ظميا...

قواميس عربية فنلندية

د. حسيب شحادة

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

النافع والمضلل في جسور اللغة
القواميس العربية-الفنلندية وقاعدة ”شيء خير من لا شيء“   شهِد العَقْ...

امرأةٌ لا تجيد لغة الحب والغرام!!

محمود كعوش

| الجمعة, 14 ديسمبر 2018

بعد تعقُبٍ طويل لخطواتها دنوت منها بتودد وبادرتها قائلاً: رويدكِ يا هذي الجميلةُ إنني ...

المدرسة الانطباعية أو التأثيرية : المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي الرسم (1 من 2)

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

مدخل:   الانطباعية مدرسة أدبية وفنية، ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرن...

المطاردون : قصة قصيرة

رشاد أبو شاور

| الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

  حططت على صخرة في قمة جبل أجرد تطل على فراغ أرضه متجهمة قاحلة مربدة ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم14110
mod_vvisit_counterالبارحة48576
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع62686
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي352757
mod_vvisit_counterهذا الشهر751724
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1360833
mod_vvisit_counterكل الزوار61896531
حاليا يتواجد 4212 زوار  على الموقع