موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

هواجس وكتَّاب.. سامي حمزة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

هاجسي هذه الأيام، سدُّ الفرات، وأهل الفرات، مُدن: الطَّبقة، والرَّقة، ودير الزّور، وما بين بحيرة السدِّ وشط العرب، من أناس، وحياة وحضارة، وآثار، وتاريخ.. ومن تراكم معرفة، بتّ أهجس بما سيخلّفه الأميركي ذو الرصيد الإجرامي الكبير، من تدمير وتعثير، حيث يستهدف الوطن والأمة والثقافة بحقد وعَمَهٍ، ولا يعنيه من أمرنا كثيرٌ ولا قليل. فجأة امتلأت ذاكرتي بصور، ومرت بعض كبريات الأحداث كأجنحة الغربان، “معركة صفين”، وإلى الأعلى “مرج دابق” وغيرها، وغيرها.. وعَرَضَ لي مصيف الرشيد هارون، كأنما لم يكن، وجسر الحديد المعلق على نهر الفرات العظيم مكسور الظهر، يغطس بعضه في الماء، ويرفض الغرق.. ذلك الذي كان يعبره الخلق من الجزيرة إلى الشَّامية وبالعكس، قبل أن يُدمَّر. ولا أدري كيف أغمضت جفني، لأسمع ما كان يُسْمَع من لحن يستبطنه الحزن، أو حزن ينشره اللحن:

 

عالعين مُولَيّتينْ، عالعين مُولَيَّا

جسر الحديد انقطع، من دُوسْ رِجْلَيَّا

وانتشلتني من وهدة الضيق، صور أصدقاء تتالت، خِلْت أنها تَتَناخى قربي، لتنتشلني من ذلك الضيق، إذ لا ترضى لضيفها الضيق.. هذا عبدالسلام العجيلي بقلبه الكبير، وحبه الغامر لكل الناس هناك، وهذا شفيق الكمالي بطلّته ونخوته، وسعد صائب بدماثته، وخليل جاسم الحميدي بابتسامته الطفولية. وآخرون وآخرون من أبناء الفرات، وهم بعض، بعض، بعض من عَرفت.. ورأيتني أقترب من الرَّقة ومحيطها، من السد وما يعنيه، ومن مسرحي عرفته كان شابًّا، قبل أن ترهق الأحداث المُرة كيانه.. إنه سامي حمزة “١٩٤٨”، قاص وروائي ومسرحي سوري، انتمى إلى الوادي الخصب، بعد أن هُجِّرَ أجداده من القفقاس، فأصبح حامل راية، من رايات الإحساس الوطني. ولد سامي في بلدة “خَناصِر” من أعمال محافظة حلب، وعاش حياته في مدينة الرَّقَّة. وكان من بين الفائزين في مناسبتين هناك: مهرجان الرَّقَّة المسرحي الأول عام 2005، وملتقى القصة الرَّقيّ الثاني 2007 كتب القصة القصيرة، والرواية والمسرحية.

ومن مؤلفاته: استنشاق رائحة الليمون ـ اضطرام الهويس ـ ـ الدم جدًّا ـ تكلم لأراك ـ فيلم سكوب بالألوان ـ إمليس. وكل تلك قصص قصيرة. وله رواية واحدة بعنوان “البشر وحتى الشجر”، أما في المسرح فله: “المطر في خامس الفصول”، و”الطاعون يعسكر في المدينة”، نشرهما قبل عام ٢٠٠٠م.

يبدأ ابن مدينة الرقة، مسرحيته الطاعون بالحديث عن خرافة على شكل حكاية، يتناقلها عامة الشعب، ملخصها أن الإسكندر الأكبر كان له قرنان، ولا يعرف أحد من الناس هذا الأمر، سوى الحلاق الذي يقص شعره. ولكي يحافظ على بقاء هذا الأمر سرًّا، كان الإسكندر يقتل كل حلاق يقص له شعره.. وبقي مستمرًّا في عادته تلك، إلى أن بقي حلاق واحد فقط، فأبقى الإسكندر على حياته، نظرًا لعدم وجود غيره، واشترط عليه ألا يبوح بسره.

وضاق الحلاق بما حمل من سر، أورثه الهم والغم، فكان يتجه إلى بئر ماء فارغة، يضع رأسه داخل البئر ويصرخ: “الإسكندر له قرنان”، ثم يعود وقد خفف عن قلبه بعض الهم. وكان أن اكتشف الناس سر الإسكندر من جراء تناقل أصداء صوت الحلاق في البئر. وقتل الإسكندر حلاقه الوحيد، لأنه أذاع سرًّا كبيرًا وخطيرًا.. ولكنه لم يستطع أن يقتل ما انتشر عنه بين الناس.

وقد أخذ سامي حمزة، وهو شاب عرف في أحد مهرجانات فرق الهواة المسرحية، حيث قدم مسرحية بعنوان “المطر في خامس الفصول”، أخذ هذه الحكاية من بعض جوانبها، وأدخل عليها بعض التعديل، مستفيدًا من إمكاناتها، ليصور الطغيان والظلم والإرهاب الذي حل بمدينة من المدن، حكَمها ملك له أذنان طويلتان كأذني التيس. وقد أعدم الملكُ كل الحلاقين الذين اكتشفوا ـ بحكم عملهم ـ هذا السر، ولم يبق في المدينة سوى حلاق واحد، أحضره رجال الملك ليلًا من داره التي تشرف على ساحة من ساحات المدينة، كان يجري فيها إعدام الحلاقين. وكان سبب إحضاره، أن الرجال الذين أسند إليهم تنفيذُ الحكم بآخر حلاق أعدم، قاموا بإعدام الحلاق المحكوم، ثم تلوا الفرمان الصادر عن الملك بحقه، ويشير “الفَرَمان الملكي”، إلى أن ذلك الحلاق يشارك في مؤامرة ضد الملك، اكتُشفَت قبل تنفيذها.. وكانت التعليمات الملكية أن يُقرأ هذا “الفَرمان” على الناس، ليتعظوا وليعرفوا السبب.. ولكن بعد أن نُفِّذ حكم الاعدام، وتلي البيان، تبيَّن لرجال القصر، أن الساحة كانت خالية تمامًا من الناس، فلم يحظر ولا شخص واحد، لأن هذا المشهد أصبح مألوفًا جدًّا.. وقرروا في البداية أن يكذبوا على الملك ويخبروه بأن الناس حضروا وتجاوبوا مع قراره.. ولكن خوفهم من بعضهم بعضًا، منعهم من ذلك.. فاتجه أحدهم إلى باب دار قريبة، وأخرج صاحبها، وبالمصادفة كان حلاقًا، وبُدئَ بتلاوة البيان “الفَرمان” عليه، فأكمله هو عن ظهر قلب.. ومثَّل الجمهور في تلك الليلة. وفي صباح اليوم التالي، تنكر لمهنته كحلاق وبدأ يبيع اللِّبان في الشوارع، ويبحث في الخفاء عن زبائن يحلق لهم، بعيدًا عن المدينة. وقد أسرَّ لأحد الباعة، الذي كان يعمل مخبرًا سريًّا من دون أن يعلم به أحد، أسرَّ له بأنه حلاق، ويمكنه أن يحلق له.. وبعد فترة من الزمن، أعلن القصر الملكي عن جائزة لمن يعلم عن آخر حلاق تنكر لمهنته وغاب عن الأنظار، فيجد ذلك البائع فرصة للربح، فيبيع رأس الحلاق لقاء ثمن بسيط. ويُحمل الحلاق إلى القصر، وقبل أن يُعدَم يعرف أنه الحلاق الوحيد الباقي، ويتأكد من أن الملك لن يعدِمه لأنه بحاجة إليه.. فيبدأ خطا جديدًا من السلوك مع الملك، ولكن هذا الموقف لا يلبث أن يتغير، ويغير الحلاق سلوكَه، ويقبل عرض الملك بأن يحفظ حياته لقاء حفظه للسر، ويقوم الحلاق بعمله ويقيم في القصر، ويتزوج من امرأة هناك.. ويومًا بعد يوم يكبر الظلم في المدينة، ويكبر الهم في قلب الحلاق، فالناس في شوارع المدينة أصبحوا مزيّفين حتى العظم، ما عدا قلة قليلة، والحالة العامة فرضت نوعًا من اليأس وعدم الاكتراث، وحتى التشاؤم، واليأس من تبدلها بحالة أفضل.

ويطل وجه جديد من خلال الحوادث، هو وجه جلال، المثقف والكاتب الذي لم تفسده الأيام.. إنه يتجول في مدينته، ولا يكاد يتعرف على وجهها الجديد، ولكنه لم يفقد الأمل بعد، رغم أنهم سجنوه لأنه أشار إلى شيء مما يعاني منه الناس، وإلى الظلم الذي يسعى بينهم، ويثقُل عليهم.. وها هو ذا يخاطب المدينة بمرارة، واصفًا وضعها الذي آلت إليه، بشيء من الدقة، حين يقول: “يا مدينة ليس لهياجها موسم، يا من يُقتَل فيك كل من يعرفك ساعة الصباح الباكر، وقت لا تكونين قد لطخت وجهك الأرعن بمساحيق الغش والطلاوة.. ألأنني سريت في شرايينك وعرفت مواطن الداء…ألأنني غرست سكيني في بطنك المنتفخ وكشفت السرطان الساكن رحمك.. وأن الجنين ما هو إلا ورم خبيث.. يا مدينة استحالت إلى مستنقع كبير، وقف الحواة حولها ليوهموا الناس أنها بحر واسع.. بحر حقيقي.. عجبي أتنبح القافلة والكلاب تسير.”؟! ولكن هذا الوجه لا يلبث أن يغيب في زحام المظلومين.. ويخرج الحلاق في يوم من الأيام ليبثَّ الطبيعة ألمَه، ويخفف من ثقل السر الذي يحمله، فيذهب إلى حقل قصب، ويحفر التراب، ثم يهمس في الحفرة: “للملك أذنان كأذني التيس”، ثم يهيل التراب على الكلام ويعود.. ولكن التراب يلقن السر للقصب.. ويأخذ القصب بإذاعة السر غناء من خلال شبابات الرعيان.. وها هو السر يغزو المدينة وينتشر، من خلال غناء راع في شوارعِها. ويفزع الملك، ويجند رجاله، ويحضِر الحلاق لمحاكمة الموت.. وعندما يخبره الحلاق بأنه لم يذع السر، يسأل الراعي، فيوضح له الأخيرُ أن القصب نفسه يتكلم ويروي الحكاية. ويذهب الملك ليتحقق من القصب في حقول القصب، وفي أثناء ذلك تنتفض قلوب الناس في المدينة، وتتغير جلود البعض منهم، ويذهب الأمر ببعضهم إلى حد إعلان نفسه ملكًا، ويجلس على الكرسي.. ويحار الانتهازيون ماذا يفعلون.. أيهتفون للملك السابق أم لمن ملَّك نفسه حديثًا!؟ ولا يقدم أشيب.. الصحافي والفنان والأديب الذي عُين ليكون كل ذلك بمرسوم، بعد أن قدم للملك ورجاله ما لا يقدمه الرّجال.. لا يقدم أشيب نصائح مفيدة لطالبيها، في هذه الظروف الحرجة. ولكن عودة الملك تضع حدًّا للبلبلة.. فقد عاد ومعه بعض أعواد القصب، وقرر أن يستأنف ممارسة الحكم، مهما كلف الأمر، فقد حكم الناس سابقًا وكانت له أذنان طويلتان كأذني تيس.. فما الذي تغير من أمره، بعد علم الناس أنه يتمتع بأذنين طويلتين..؟! ويُقبِل المتزلفون الذين كانوا يسخرون حتى من أنفسهم، لأن ملكًا بأذني تيسٍ حكمهم.. يقبِلون عليه حامدين شاكرين مسلمين له الأمر.. ويلجأ بعضهم إلى تقليعة جديدة، يعتبرها شرفًا، إذ يركِّبون آذانًا طويلة، تيمنًا بالملك.

هذه الحوادث المحكيّة في حوار مسرحي مقبول، هي ما وضعه سامي حمزة في مسرحية من فصل واحد وأربع لوحات. وأرى أنه من المفيد لو أعاد المؤلف النظر في هذه المسرحية، وأعطى المواقف والشخوص حقّها من العناية، ومنحها فرصة التعبير عن نفسها بشكل أوضح.. فربما صنع من هذه المسرحية القصيرة، مسرحية طويلة متكاملة، ذلك لأن الفكرة جيدة، والشخوص تحمل هذا الموضوع بجدارة، والإمكانيات الأولية متوافرة. والمُلاحظ أن بعض الشخوص غابت بمجرد ظهورها.. كجلال.. وعلوان.. وكذلك الأماكن التي عرض فيها المؤلف حوادث مسرحية، تداخلت وأسرعت في طيها الشخوص من دون ضابط، ومن ثمّ من دون إقناعٍ فني.. على أن هذا لا ينفي أن المسرحية، بوضعها الحالي، جيدة، وتصور واقعًا مُرًا بلمسات معبّرة، وفنية تستحق الاهتمام.

وفي “المطر في خامس الفصول”، يعرِض سامي حمزة، في مسرحية رمزية، يكاد رمزها يغيب أحيانًا في ثنايا الكلمات، لتصوير أمتنا العربية، بعد أن حل بها التمزق، وسيطر على أبنائها الجهل والتخلف، وأصبحوا يشرَقون بألمهم، ويحسون بضرورة الخلاص مما هم فيه، ويجأرون بالشكوى.. ولكنهم لا يلجأون إلى العمل ليتخلصوا عن طريقه، مما يكبّلهم. إنهم “مساكين.. يتعبهم التواكل، جفونهم تستحم بدماء جباههم.. صدورهم تتهدم كمقالع الحجارة، بمعاول أهل الدار وأعداء الدار، أظفارهم تقطع الأثداء والألسن والرقاب والعيش، كما ورد على لسان أحد المتكلمين (م)، وهو يجسد فكرة، أو ضميرًا، أو شمعة، تنير الدرب للجموع التي ذهبت الجائحات بعقولها، ولحقت أرتالُها رغيفًا مسروقًا، وسكت منها العقل، وبكت الأمعاء، وسار أفرادها في التيه ضائعون يبحثون عن مخرج، ولكنهم لا يعرفون للخروج سبيلًا.. وعيبهم، أنهم عنصر الحركة، والقوة التي يمكن أن تغيّر الواقع السيئ، ولكنهم لا يتحركون.. الأمر الذي يتعب الشمعة أو الضمير أو الفكرة التي تقودهم، وتتجسد في (م) وتجعله يقول:

“قلبي، يا بوابة الألم.. اقطر.. اقطر ندمًا.. نقول لهم اعملوا يرفضون، عيشوا يرفضون، موتوا يرفضون.. ارفضوا يرفضون الرّفض، ارفضوا يرفضون رفضك.. طاوعهم تحترق وإياهم بنار الجهل”.

إنه وضعٌ محزن قاتل بالنسبة للأشخاص الذين يمثلون ضمير أمة وطليعتها واستنارتها.. إنه وضع محزن، إذ يجدون أمتهم، ومصدر القوة من هذه الأمة، في حالة ضبابية تحاول أن تصل إلى شيء لا تعرف ما هو.. ولا تقود ولا تنقاد، ويجعلها ذلك فريسة سهلة للمتخمين الذين يُثرون على حساب الفقراء الذين سحقهم الجوع والضياع.. ولذلك نجد رأس المال، وما يسير في ركابه من استعمار واستثمار، يسيطر ويتحرك ويقدم مشاريع مؤسية مضحكة، لحل مشكلة مثل هؤلاء القوم.. إنهم فقراء، والحل عنده وعند أمثاله، للقضاء على الفقر، هو القضاء على الفقراء.. وبذلك تنتهي المشكلة من أساسها.

هذا الشعب.. تسيطر عليه قيادات أو تحكمه حكومات، لا هم لها إلا الاشتغال بالعداوات الشخصية والتفاخر، ومحاولة خنق كل روح إيجابية، تبرز من أي شخص بين الجموع.

ولا يجد (م) سبيلًا للخلاص، إلا في جيل قادم، ينسف كل هذا الدّمار والتخلف والفساد والميوعة والتخاذل المتمثل في الجيل الحالي.. إنه يعلق أهمية على الأبطال الصغار الذين يقدمون الروح، ويمشون على طريق الشهادة، في سبيل خلق الثمرة الحقيقية.. ولذا تلجأ هذه الفكرة.. يلجأ ضمير الأمة (م) إلى قدرتها على الإخصاب والإنجاب.

إنها روح العطاء في الأمة.. إنها القدرة على قهر القهر.. والقدرة على البقاء.. أقول تلجأ الأمة، مجسدة في (م)، إلى إنجاب أطفال هم الأمل.. لكنهم يكبرون وهم داخل طوق النار المضروب حولهم، ولا تأسى أمهم ولا يأسى أبوهم عندما يسمع عن أن بعضهم يتعرضون للقتل.. لأن الموت الذي يلاحق هذه الطلائع، لن يأخذ إلا أضعف طيورنا.

وتستطيع الجموع الضائعة أن تجد طريقها وأملها في مجموعة الشباب الثائرين الذين ضربوا المثل عملًا.. ويدخل هذا الحنين الذي يمثل الثورة المسلحة، في العمل الفدائي، يدخل محمولًا على المسرح بين يدي من ذهب ليبحث عنه من أفراد برزوا في صفوف الشعب.. يدخل محمولًا ومحتضَنًا في الوقت ذاته، ولكن يد العمالة الممثلة في مأجور من أبناء الأمة وبعض حكامها، الذين يرقصون على رأس هرم أحزانها، يتقدّم ليغتال بغدر، هذا الجنين الوليد.. ودافعه إلى القيام بهذا العمل، هو الخوف على وجوده هو.. كما أنه دفع واضح من أسياده المتمثلين في قوة رأس المال والاستعمار والصهيونية، دفعهم له، ليقوم بهذا العمل الجبان، حفاظًا على وجودهم ومصالحهم، وليبقى الناس في الجوع والقهر والتيه.

المسرحية رمزية كما أسلفت، ولكن فكرتها وهدفها وكل أبعادها، لا تظهر بكل اليسر المطلوب، وإنما تحتاج إلى شيء من بذل الجهد والتركيز والتأويل، للوصول إلى ذلك. والأسلوب الذي اتبعه سامي حمزة، في الحوار المسرحي، أسلوب مقبول، تحس فيه بالغِنى الذي يبشر بإمكانيات لا بأس بها. ولا بد من الإشارة إلى أن محاولة إبراز رمز كالذي قصد المؤلف إلى إبرازه في مسرحيته، أمر لا يمكن بلوغه بسهولة.. إلا أنه، مع ذلك، بثَّ بعض روح الحيوية في الرمز الذي قصد إلى إبرازه.. ولكنه قدم كل ذلك ضمن إطار لا يحقق للدراما شروطها، فلا وجود لحدث ينمو، أو لقدرات تتصارع بشكل ملحوظ يؤثر في الحدث ويخلقه ويطوره.. إنه لجأ إلى استعراض حالة في مخيلته، مستعملًا لاستعراضها القوى الموجودة، ضمن إطار تشكّلها في خياله، متحكِّمًا في جسدها، وشدها إلى ما يريد، بشكل ملزم، لدرجة أنها فقدت معظم عفوية التصرف، وفقدت مقومات الكائن الفني القادر على المبادرة.. وخرج المؤلف بشيء يبدو كأنه نابع من ذاته، ولما يزل يتملكه، ولا يطلقه كائنًا فنيًّا حيًّا.

إن سامي حمزة يملك نفَسًا شاعريًّا، ولكنه يحتاج إلى أن يعايش الشخصية، وينمي الصراع، عصَب المسرحية، ويطور الحدث ليعبر عن الفكرة، أكثر من معايشته للفكرة ذاتها بتجريد شبه تام، لأن المسرح يحتاج إلى فكرة، تجسدُها وتطرحها وتقودنا إليها شخوصٌ عبر صراع، ومن خلال فعل ينير طرق المستقبل، ويعتمد الحوار وسيلة للتعبير.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

علمتني العشق

شاكر فريد حسن | الأحد, 24 يونيو 2018

اسمك حبيبتي أعذب لحن ونشيد كم تبهرني ابتسامتك ورقتك وجمال عينيك وبحة صوتك   و...

ثقافة المجتمع والمتاجرة بالجسد

د. حسن حنفي

| السبت, 16 يونيو 2018

  بين الحين والآخر، نقرأ قصصاً حول بيع أعضاء بشرية بسبب الحاجة وضيق ذات اليد. ...

معهد إفريقيا في الشارقة

د. يوسف الحسن

| السبت, 16 يونيو 2018

  - استحضرت في الذاكرة، قاعة إفريقيا بالشارقة وأنا أقرأ بسعادة غامرة خبر تأسيس أول مر...

عجوز فى الأربعين

جميل مطر

| الخميس, 14 يونيو 2018

  جاء مكانها على يمينى فى الطائرة. لم تلفت انتباهى معظم الوقت الذى قضيناه معا فى...

بياضُ الرُّوح!

محمد جبر الحربي

| الخميس, 14 يونيو 2018

1. لعاصمةِ الخير مني الودادْ ولي، أنّها وردةٌ في الفؤادْ أغادرُها.. والرياضُ.. تعودُ   ف...

خمسة فناجين لاتيه

د. نيفين مسعد

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الغربة شعور غير مريح بشكل عام لكن في هذه المناسبات بالذات تصير وطأة الغربة...

عيد الطعام العربي

محمد عارف

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الطعام عيدٌ تُعيدُ لنا مباهجه وملذاته «نوال نصر الله»، عالمة أنثربولوجيا الطعام العراقية، و«ساره...

القُدس.. أوُرسَالِم..

د. علي عقلة عرسان

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

يا قُدْسَ.. صباحُ الخيرِ.. مساءُ الخيرْ، فأنتِ صُبحُنا والمَساءْ.. ضحْكُنا والبُكاءْ.   تميمةُ العربيِّ، ومحراب...

الدين والتنوير العقلاني والسياسي

د. السيد ولد أباه

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

  تساءلنا في مقالة الأسبوع الماضي عن طبيعة العلاقة بين ديناميكيات ثلاث عرفها المجتمع الغربي...

قصة قصيرة شدوا الأحزمة

هناء عبيد

| الاثنين, 11 يونيو 2018

وبخت زوجتي هذا المساء. كيف لها أن تطعمنا قليل من الجرجير فقط في وجبتنا...

الثقافة البديلة.. وتجديد الفكر

د. حسن حنفي

| السبت, 9 يونيو 2018

  في الآونة الأخيرة، جرى البحث في الإعلام بأنواعه ليس فقط عن الثقافة في ذاتها ...

طفلة فى الأربعين

جميل مطر

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

  عادت المضيفة مع مضيفة ثانية لإخلاء المكان من صحون الطعام وكؤوس الماء والمشروبات الأخرى...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم16466
mod_vvisit_counterالبارحة36532
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع16466
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي218240
mod_vvisit_counterهذا الشهر715095
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54727111
حاليا يتواجد 2682 زوار  على الموقع