موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
علماء يعثرون على أقدم رسم بشري عمره 73 ألف سنة ::التجــديد العــربي:: الاتفاق يكرم ضيفه الباطن بثلاثية.. والوحدة والفتح يتعادلان للجولة الثانية على التوالي ::التجــديد العــربي:: حبس نجلي الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك على ذمة قضية فساد المعروفة إعلاميا بـ"التلاعب في البورصة" ::التجــديد العــربي:: أهالي الخان الأحمر يتصدّون لجرافات الاحتلال ::التجــديد العــربي:: محمد الحلبوسي النائب عن محافظة الانبار يفوز برئاسة الدورة الجديدة لمجلس النواب العراقي ::التجــديد العــربي:: مصر توقع صفقة للتنقيب عن النفط والغاز مع شل وبتروناس بقيمة مليار دولار ::التجــديد العــربي:: لماذا يمرض المدخنون أكثر من غيرهم؟ ::التجــديد العــربي:: لافروف: روسيا ستستهدف معامل سرية لتركيب طائرات مسيرة في إدلب ::التجــديد العــربي:: إثيوبيا وإريتريا توقعان في جدة بالسعودية اتفاقا يعزز علاقاتهما ::التجــديد العــربي:: الحزب الحاكم في تونس يجمد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد ::التجــديد العــربي:: مجلس النواب العراقي يعقد جلسة لاختيار رئيسه ::التجــديد العــربي:: اعصار مانكوت: أقوى عاصفة في العالم هذا العام تضرب الفلبين ::التجــديد العــربي:: الجبير: القضية الفلسطينية "رأس أولويات" السعودية ::التجــديد العــربي:: بومبيو أمام الكونغرس: التحالف يتفادى المدنيين باليمن ::التجــديد العــربي:: إحياء مواقع التراث الإنساني ضمن رؤية 2030 ::التجــديد العــربي:: تعرف على فوائد الثوم وأضراره ::التجــديد العــربي:: الصين تتعهد بتقديم نحو 60 مليار دولار لتمويل مشاريع في أفريقيا ::التجــديد العــربي:: بلجيكا تتغلب على إيسلندا في عقر دارها بثلاثية نظيفة ::التجــديد العــربي:: البرازيل تسحق السلفادور بخماسية نظيفة وديا ::التجــديد العــربي:: مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة: لن نسمح باستخدام المدنيين كدروع بشرية في إدلب ::التجــديد العــربي::

أرشيف رأي التحرير

في العلاقة بين السياسي والمثقف

إرسال إلى صديق طباعة PDF

هذا الحديث يبقى من المواضيع الحية التي استمر الجدل حولها على مر العصور. فالأزمة بين السياسي والمثقف، أو المفكر والسوالسلطان هي أزمة تاريخية مستعصية. إنها أزمة بين المثالية والميكيافيلية.. بين تعامل حر في فضاء مفتوح، لا تحكمه حسابات المنفعة، وبين براجماتية مفرطة تنبع من ذات الوظيفة التي يضطلع بها السياسي، ومن الموقع والأوضاع الإجتماعية والطبقية، تفرض عليه لغتها وقوانينها الخاصة. والمثقف حسب هذه الرؤية، ليس ذلك الذي يكتسب وضعه من خلال تراكم الخبرة العلمية وحيازة الوعي، المعبر عنه هنا بالسلطة المعرفية، بل لا بد من ربط ذلك بقضايا سلوكية. وفي هذا التحديد نجيز لنفسنا الإختلاف مع رؤية الفيلسوف انطونيو غرامشي التي تقول بأن كل فرد هو مفكر، وبالتالي فهو مثقف. وحسب هذا التعريف، فإن كل إنسان يقوم خارج نطاق مهمته بنوع من أنواع النشاط الفكري هو مثقف. إنه يحاول توسيع دائرة التعريف وتعميمه ليشمل أوسع الشرائح الإجتماعية، متغاضيا في ذلك عن أهمية التراكم والخبرة المعرفية. وغرامشي بهذا يجرد النخبة من الوجاهة الإجتماعية، التي هي أهم أسلحتها داخل الحركة السياسية التي كان يقودها من السجن. كما يجردها من الإلتزام، وبالتالي من التمسك بمعايير أخلاقية ووجدانية. إن الإلتزام في الموقف والوعي، هما شرطان أساسيان لكي نطلق على الفرد صفة المثقف. إذ لا يمكننا أن نتصور مثقفا خارج دائرة التعبير عن وجدان الأمة. إنه الضمير المعبر عن أمال الأمة وآمالها، والمفترض فيه أن يُسخر سلطته المعرفية لينير لها دروب نهضتها. يتعامل السياسي مع الحاضر، أما المثقف فيرنو بعقله وفكره إلى المستقبل. إنه يدرس الحاضر كي يستخلص منه موقفاً ورؤيةً جديدةً يفترض فيها أن لا تكون معزولة عن الواقع. وقد تحددت هذه الوظيفة للمثقف منذ القدم. تفاعل المثقف، في ملحمة جلجامش مع مجتمعه في حضارة بابل، فكانت النتيجة أن حفلت تلك الملحمة بصور ذلك التفاعل على مستويات كثيرة، مع الطبيعة والسلطة والأسرة. وتتجلى الحكمة الأبدية المعبرة عن الوجدان اليقظ الحي في طرح السؤال، "ماذا يجدي في قتل القلب؟!". ويتواصل عطاء الأدب البابلي، باتجاه سبر أغوار مجتمعه، مع توق واضح باتجاه تحقيق العدل الإجتماعي. وبالمثل، يسلط تاريخ الأدب في حضارة مصر القديمة، على علاقة المثقف بالمجتمع، وبالتالي موقفه من السلطة. لقد استقر في قلب المصريين أن سنوهي أو سنوحي، الرمز المعبر عن دور المثقف، هو الشجاع والصادق في مواجهة طغيان السلطة التي أرغمت البطل على الفرار إلى صحراء الجزيرة العربية أيام سنوسرت الأول خوفا ورهبة من بطش الحاكم، ولكنه عاد أخيرا إلى مصر، حين تبدلت الظروف، وتحقق ميزان العدل. وقد سجل التاريخ، في أسفاره حوادث كثيرة عن علاقة المثقف بالسياسي مرات ومرات في مختلف الحضارات الإنسانية. حدثنا، على سبيل المثال، عن معاناة الفيلسوف اليوناني سقراط، وكيف فرض عليه أن يتجرع السم، لأن أطروحاته المثالية لم تتوافق مع رؤية الراعي للقانون الإغريقي والمسؤول عن الرعية. ولم يكن نصيب حضارتنا العربية الإسلامية في هذا الشأن أقل من غيرها. حيث كانت الصراعات والفتن في بعض ظواهرها تعبيرا عن أزمات في الفكر، وضبابية في الرؤية، وعن خلل التوازن بالمعادلة في العلاقة بين السياسي والمثقف. وقد أدت تلك الأزمات إلى بروز مذاهب فلسفية، كالمرجئة والمعتزلة والزيدية والأشعرية، إضافة إلى رؤى مذهبية متعددة وجدت لها مريدين على امتداد ساحة دولة الخلافة، مساهمة في تخصيب الفكر العربي الإسلامي وإثرائه. وتحتفظ سجلات التاريخ العربي الإسلامي بنماذج متميزة تعكس طبيعة العلاقة بين السياسي والمثقف، لعل في المقدمة منها النهاية المحزنة التي وصل إليها الكاتب عبدالله بن المقفع، بعد أن وجه رسالة النصيحة للخليفة أبي جعفر المنصور. كما تحتفظ لنا تلك السجلات بمحنة الإمام أحمد بن حنبل مع الخليفة العباسي المأمون، والتي دارت حول موضوع خلق القرآن الكريم. وكانت تلك الحادثة، مثلا فاضحا على التناقض الحاد بين النظرية والممارسة، حيث باسم تقديس العقل، الحجر الأساس في الفكر المعتزلي، تم الزج بالإمام في السجن وجرى جلده بالسياط، وفرض حجر على طريقته في التفكير. وتمثل سيرة الفيلسوف العربي، أبو الوليد المعروف بابن رشد، وإحراق مخطوطاته ومكتبته على يد الحاكم الموحدي، نموذجا آخر عن أزمة العلاقة بين السياسي والمثقف. وكانت التهمة الرئيسية الموجهة إلى ابن رشد هي الإشتغال بعلوم الأوائل، ونقل فلسفة الإغريق إلى العربية. ولعل في الإشارة إلى ما قام به المغول حين زحفوا على مدينة بغداد، وأغرقوا مكتبتها في نهر دجلة، توضيحاً لخشية الحاكم من انتشار الأفكار.. إن المواجهة هنا جماعية، بين غزو خارجي غاشم، وبين شعب يدافع عن وطنه، ويرى في ثقافاته دعامات أمان في تلك المواجهة، ومقاومات تحفر مسالكها بعمق في العقل والروح، تساهم بفعالية في تنشيط الذاكرة، وتشحذ روح المقاومة. إن الشعب المقاوم بأسره، في هذه الحالة، يتمثل دور المثقف، في حين يمارس المحتل، في تخريبه للثقافة واعتدائه على الفكر دور السياسي. والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها في هذه العجالة، أن السياسي، بطبيعته ذو عقل محافظ، يخشى كل تغيير، لأن التغيير قد يحمل في رحمه إمكانية التعرض، بشكل مباشر، لصولجان السلطان ومصدر قوته. فالقانون الذي يتكئ عليه السياسي باستمرار هو أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. إن الحاضر معلوم، والمستقبل مجهول، وإذا كان بالإمكان التعايش مع الحاضر، والتعامل معه لكونه معلوم، فإن المجهول هو بحكم المعدوم. لا بأس إذن من التشبث باستمرار بالمعلوم والقبول به، والإبتعاد قدر الإمكان عن المغيب، لأن نتائجه غير مضمونة، وربما تحتاج، من السياسي، إلى حسابات جديدة، مهما تكن دقيقة فإن من غير الممكن التنبؤ بشكل مطلق بنتائجها، إذ من يضمن أن لا تتعرض تلك الحسابات للرياح والأعاصير. هكذا يقف السياسي دائما في وجه التغيرات الإجتماعية والإقتصادية المتجهة إلى أمام. وحتى التغيرات العلمية التي تجرى من حوله في مختلف حقول المعرفة يجرى التعامل معها بحذر ورهبة. والكلام هذا ليس رجما بالغيب، فقد احتفظت لنا الذاكرة التاريخية بقصص غاليلو وجان دارك، وبعشرات من المفكرين الذين انتهت حياتهم داخل أسوار السجون أو بالتعليق فوق المشانق والمقاصل. والأمر لكثرة تكرار حدوثه لم يعد مستغربا. وإذا ما تمت قراءة الأمور بشكل موضوعي مجرد، أمكن فهمها واستيعاب دروسها. فالمثقف هو الضمير الواعي المعبر عن الأمة. ومهمته بالتالي، هي تقديم إضافات جديدة كل يوم على صعيد العلم والفكر. السياسي حارس لما هو قائم، ومحافظ عليه. إن لديه إحساس دائم بالخطر وبالمسؤولية، فهو الذي عليه أن يتصدى بشكل مباشر للبراكين والعواصف، التي ربما تتيه في زحمتها هيبته وسلطته. أما المثقف فإن وظيفته البحث عما هو جديد. وبطبيعته فإنه يرنو دائما للإلتحام بالحقيقة وبالمطلق. إن مهمته باختصار هي الكشف باستمرار عن قوى خلاقة جديدة، في الكون والطبيعة والإنسان، وإجراء تغييرات جذرية بشكل مستمر على منظومة القيم والأفكار السائدة، وصولا إلى حالة أرقى وأكمل. وهو بموقفه هذا لا يخسر شيئا، على الصعيد الشخصي، سوى قيوده. إنه أيضا بطبيعته، رومانسي وحالم، تمتزج في ذهنه الرؤى والأفكار بالأحلام والعواطف. وتصبح الحياة سديمة بالنسبة له حين تنتفي الغايات. والواقعية كما يراها، هي رؤيته الخاصة لهذا الكون، تلك التي تمده بالطاقات الخلاقة وقواعد سلوكية محددة. لكن الذي لا شك فيه، أنه مهما اختلفت الرؤى والأفكار، فإن السياسي والمثقف، يسيران في خطين متوازيين، حتى وإن اتسمت العلاقة بينهما بالتضاد والتنافر. ووجود كليهما ضرورة حضارية واجتماعية لا غنى عنهما. فمهما تكن نقاط التضاد والتباعد بينهما، فإن كليهما بحاجة إلى الآخر. لا يمكن للمثقف أن يبقي أحلامه معلقة في الهواء. بالتأكيد يمكنه أن يحول أحلامه إلى نظريات ومناهج للفكر والعمل، ولكنها كي تتحقق إلى واقع فلا بد من سياسي يؤمن بها ويحتضنها ويعمل على ترجمتها وتحويلها إلى أمر واقع. وإذا ما انتقلنا من القراءة العامة إلى الخاصة، وقفزنا إلى الحديث عن دور المثقف العربي، بالمرحلة الحالية، في إدارة الأزمات. فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن مجتمعاتنا العربية لا تزال منذ أكثر من قرن تعيش مرحلة انتقال، عطلت فيها عملية النمو، واتسمت بضعف التشكيلات الإجتماعية. ومن هنا فقد انعكس ذلك الواقع على التكوين السياسي والثقافي في الأمة. حيث أصبح كلاهما مشوهين. فقد عطل ذلك من قيام المؤسسات السياسية الحديثة، وساهم في تغييب هياكل المجتمع المدني. وعلى الجانب الثقافي، تعطلت مهمة المثقف وانحرفت عن أهدافها الرئيسية، حين غدا شريكا فاعلا في التشكيل المشوه.. وحين اغرته مظاهر النمو الإقتصادي الذي عم المنطقة منذ منتصف السبعينيات، فانضم إلى قافلة المنضوين في حقول العمل بالتجارة والإدارة وتسيير مشاريع الثروة، وحين توجه قسم كبير من المثقفين إلى أداء دور الوسيط للشركات الدولية الكبرى، وساهموا في صفقات احتيالية وغير أخلاقية، عززت من انتشار ظاهرتي الفساد والرشوة. وكانت النهاية أن انحرف المثقف عن وظيفته الأساسية، حين اكتفى بدوره كسلطة معرفية، دون ربط ذلك بالقواعد السلوكية التي جرى التعرض لها في صدر هذا الحديث. لكن التعميم غير جائز، على كل حال، فقد بقي بعض من المثقفين ملتزمين بقضايا أمتهم ونهضة شعوبهم، وإن كانوا في ذلك كالقابض على جمرة من نار. ولسوف يبقى وضعهم في مجتمعنا العربي على حاله، إلى أن يتغير واقع الحال ويتم الإعتراف بدور السلطة الرابعة، "الصحافة والرأي الحر"، وتمنح استحقاقاتها. ولعلنا لا نأتي بجديد، حين نقول إن المثقف العربي يعيش اغترابا من نوع خاص، بحكم المرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة. إن دوره لا يزال مغيبا في معظم الأقطار العربية. وحتى في الأنظمة العربية التي تتبنى التعددية والنظام الدستوري المؤسساتي، فإن النخية المثقفة إما موجودة وكسيحة، وإما مغيبة تماما وغير موجودة. وفي معظم أنحاء الوطن العربي فإن الدور المطلوب منها من قبل السياسي لا يتعدى المشاركة في نسج قصائد المديح وبيانات الرثاء، وإعلانات المناسبات، وبالتأكيد في الدعاية لاقتصاد الإستهلاك. على السياسي أن يتعامل برؤية جديدة مع الواقع مخالفة لتلك التي تسود الآن. فثورة الإتصالات أحالت كوكبنا الأرضي إلى قرية صغيرة. وجعلت من المثير للتندر والسخرية حجب رواية أو مقالة أو فكرة. إن الفضائيات والإنترنيت يفعلان فعلهما في اللعب بعقل المواطن العربي، وإعادة صياغة تفكيره، مساهمة في إضعاف مقاوماته، وباتجاه التطبيع، مع الكيان الصهيوني ومع منظومة القيم التي تتعارض بشكل صارخ مع تقاليد ومورثات وعقيدة الأمة. إن كل ذلك يفرض على السياسي أن يسلم بداهة بالدور الخطير الذي يجب أن يضطلع به المثقف في مواجهة الإختراقات وعمليات غسل الأدمغة التي تجري على قدم وساق وتهدد، بشكل لم يسبق له مثيل، هوية الأمة ومستقبلها. وعلى المثقف، أن ينأى بنفسه عن مغريات السلطة ومكاسبها. ذلك لا يعني أن يظل المثقف في برجه العاجي بعيدا عن المشاركة في الحياة السياسية، بل أن يبقى فاصلة محسوبة بينه وبين السياسي. إن عليه أن يشارك بفعالية في صياغة مشروع النهضة، وأن يقدم البرامج التي تدفع بعملية البناء والتطور الإجتماعي، وصياغة خطط ومناهج التنمية، وأن يدع مسؤولية تحقيق ذلك للسياسي. إن دوره هو الرقابة من بعيد، وأن يكون عين الشعب ونبضه. ويجب أن تتميز لغته بشكل جذري من حيث مثاليتها وصرامتها وحتى مفرداتها عن لغة السياسي. لقد انخرط مجموعة من المفكرين العرب في مواقع سياسية باختيارهم، أو بظروف خاصة أجبرتهم على المشاركة. وكان ظن بعضهم أنهم من خلال الوظيفة السياسية سيتمكنون من تقديم أشياء نافعة لأمتهم. وربما تمكنوا من تحقيق بعض الإنجازات، ولكنهم بالتأكيد فقدا نقاءهم وصفاءهم، واضطروا للتحول إلى أفراد براجماتيين، يبررون عجز السلطة، ويدافعون عن أخطائها. وقد وجدنا، على سبيل المثال، عالم اجتماع عربي، هو الدكتور غسان سلامه، المعروف بجرأته وصدق مواقفه، على رأس مؤتمر صحفي إثر انعقاد مؤتمر القمة العربي في بيروت، يدافع بحماس السياسي، لا المفكر، عن قرارات المؤتمر.. رغم أن تلك القرارات لم تتناسب مطلقا مع متطلبات المرحلة، ولم تتماهى مع نبض حركة الشارع، ولم ترق بأي شكل من الإشكال إلى حجم التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني.

إقرأ المزيد...
 

الإنتفاضة بين العصيان المدني والكفاح المسلح

إرسال إلى صديق طباعة PDF

تدخل الإنتفاضة الفلسطينية عامها الثالث، وسط جدل محتدم بين مختلف الفصائل الوطنية حول جدوى استمرارية العمليات الإستشهادية والعمليات العسكرية داخل الأراضي التي احتلها الصهاينة عام 1948 تارة، وتارة أخرى حول فكرة الكفاح المسلح ذاتها في عموم الأراضي الفلسطينية. ويستند الذين يطالبون بأن تتخذ الإنتفاضة شكل العصيان المدني، وتقتصر على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران عام 1967 على مجموعة من الأسباب، منها أن الكيان الصهيوني، أصبح دولة معترفا بها من قبل المجتمع الدولي، وأن الفلسطينيين بقبولهم القرار 242 وتوقيعهم لاتفاقية أوسلو قد سلموا بوجود إسرائيل وأبدوا استعدادهم للتعايش السلمي معها. ومن جانب آخر، فإن أي حل عملي، يستطيع الفلسطينيون من خلاله إنجاز مشروعهم الوطني في إقامة الدولة المستقلة لن يتحقق إلا من خلال الدعم الأمريكي له. فالولايات المتحدة هي القوة الأعظم التي تستطيع ممارسة الضغط على اسرائيل وانتزاع حقوق الفلسطينيين منها. ومن الأهمية بمكان أن يضع الفلسطينيون في اعتبارهم عند صياغة برامجهم النضالية طبيعة العلاقة والتحالف الإستراتيجي بين الكيان الصهيوني وأمريكا، وأن لا تتضمن هذه البرامج ما يغضب الأخيرة فيجعلها تنأى عن تقديم الدعم والتأييد للمشروع الوطني الفلسطيني. ويؤكد دعاة المنهج السلمي أن الرأي العام العالمي الذي تعاطف مع الإنتفاضة الفلسطينية الأولى التي اكتفت بالعصيان المدني وإلقاء الحجارة من قبل الأطفال، لم يمنح ذات التأييد للإنتفاضة الأخيرة، وأن سبب ذلك يعود إلى العنف الذي تميزت به. وقد أدى ذلك إلى تمكين الكيان الصهيوني من استخدام العنف بقسوة وبشكل غير مسبوق، وكان المتضرر في النهاية هو الشعب الفلسطيني. إن الفلسطينيين يقفون لوحدهم في هذه المعركة ويجب أن تكون هذه الحقيقة حاضرة في أذهانهم عند صياغتهم لاستراتيجياتهم وتكتيكاتهم.. ويقارن هؤلاء بين النضال الفلسطيني ضد العنصرية الصهيونية ونضال شعب جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري. ويشيرون إلى أن هذا الشعب قد تمكن من تحقيق أهدافه من خلال تحشيد الرأي العالمي لنصرة قضيته. والواقع أن الشهور الأخيرة من عمر الإنتفاضة، قد شهدت تراجعا في تأييد الشارع العربي والتفافه حولها. كما شهدت اختلافا واضحا بين موقف السلطة الفلسطينية من استراتيجية المواجهة مع الصهاينة، وموقف الفصائل الوطنية الأخرى، وبخاصة حركتى الجهاد الإسلامي وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد أدى ذلك إلى تعدد الخنادق والإنشغال في صراعات داخلية، بدلا من أن تتجه كل الجهود لمواجهة العدو المشترك. ورغم ما يبدو على التنظير للإكتفاء بالعصيان المدني من وجاهة، فإن القراءة المتأنية له سرعان ما تكشف عن جملة من نقاط الضعف فيه. إن الملفت للنظر أن القوى التي تطالب بوضع موقف الولايات المتحدة الأمريكية والرأي العام العالمي في أعلى القائمة عند صياغة البرنامج الوطني الفلسطيني هي ذاتها التي تنتقد خصومها بالإلتفات دائما إلى الآخر، دون الإهتمام بالعوامل الذاتية. ولا شك أن من بديهيات العمل السياسي، تحديد الهدف، أو جملة الأهداف المطلوب تحقيقها، ومن ثم صياغة الإستراتيجيات والتكتيكات المطلوبة لتحقيقه، بعد أن تكون الحركة الوطنية قد درست بعمق طبيعة العدو والمرتكزات التي يتكئ عليها في وجوده، والأدوات المطلوبة لمواجهة مشروعه وإلحاق الهزيمة به. ولا بأس في هذه الحالة من إجراء مقاربات ومقارنات مع الحركات الوطنية العالمية الأخرى التي أنجزت أهدافها، لكن ذلك في كل الأحوال يجب أن لا يغيب حقيقة استحالة تكرار أي تجربة إنسانية بنفس الصيغ والأساليب التي جرى تبنيها من قبل. فكما أن لكل إنسان بصمة خاصة، فإن التجارب الإنسانية تحمل في رحمها خصوصية المكان والظرف الذي انطلقت منه. والمؤكد في حالة الإنتفاضة الفلسطينية، أن الهدف الرئيس من النضال الفلسطيني هو طرد الإحتلال وتحقيق الإستقلال وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. والعدو في هذه الحالة هو الكيان الصهيوني، ومع أنه من حيث كونه كيانا استيطانيا قريب الشبه بالإستيطان الأوروبي العنصري في جنوب أفريقيا، فإن التشابه غير متطابق تماما. فنحن في فلسطين إزاء مشروع لم يستكمل بنيانه البشري بعد، ولا زال في طور التكون. والقوى البشرية من اليهود، بغض النظر عن هوياتها القومية هي عماد هذا المشروع. لم تكن هناك، في جنوب أفريقيا هجرة مطلوب إيقافها والحيلولة دون نموها كما هو الحال في فلسطين. فالمهاجرون الأوروبيون استقروا في جنوب أفريقيا منذ زمن طويل وتوالدوا فيها وأصبحوا جزءا من بنيانها الإجتماعي. وكان الهدف من حرب التحرير التي شنتها غالبيية السكان الأصليين تحقيق العدل والمساواة السياسية، واعتبارهم مواطنين لهم كامل الحقوق والأهلية في المشاركة في تداول السلطة. في فلسطين الوضع مختلف تماما، فالمواجهة هي مع عدو استيطاني، يقيم على جزء من فلسطين ويتطلع بمشروعه إلى ما حوله من أراض ومياه وثروات. ويلتزم في تنفيذ مشروعه ببرنامج مرحلي صارم. وقد استمد هذا المشروع قوته من قدرة قادة الحركة الصهيونية على التكيف مع الظروف والمتغيرات التي يواجهها. فبنى وجوده على مجموعة من المرتكزات أهمها استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتثبيت نظرية الأمن الإسرائيلي المرتبطة بقدرة هذا الكيان على هزيمة الجيوش العربية مجتمعة، وصد إي اختراق عسكري إلى العمق.. وبشكل خاص في الأراضي التي جرى احتلالها عام 1948. ومن جانب آخر، فإن نقص القوى البشرية قد جعل الكيان يعتمد بشكل حاسم على نظرية الشعب المعسكر.. بحيث يصعب الفصل تماما بين دور المؤسسة العسكرية ودور السكان الآخرين. وهكذا أصبح دور الجيش/ الشعب مختلطا ومتداخلا في الحرب والإعمار. إن أي استراتيجية كفاحية لاسترجاع فلسطين يجب أن تأخذ في اعتبارها ضرب العدو في مكمن قوته: إيقاف الهجرة، وهز نظرية الأمن الإسرائيلي في جذورها، وإحداث الخلخلة في المؤسسة العسكرية والإجتماعية الإسرائيلية، وعدم تمكينها من تحديد الأولويات في المواجهة. وتلك في اعتقادنا السبيل لتسليم المعتدي، سلما أو حربا بالحقوق الوطنية الفلسطينية. أما التركيز على العصيان المدني وحده، فإنه ربما يحدث تعاطفا عالميا مع قضية الشعب الفلسطيني، لكنه بالتأكيد لن يلحق الآذى بأي من المفاصل الرئيسية التي يتستند عليها الوجود الصهيوني. ولذلك فليس متوقعا من هذا الكيان أن يغير سياساته أمام ضغط عالمي، خاصة وأن سجله في ممارسة القمع والإرهاب، وعدم الإلتزام بالقواعد الأخلاقية والقانونية ليس بجديد.

آخر تحديث: الأحد, 03 أكتوبر 2010 15:42 إقرأ المزيد...
 
الصفحة 23 من 23

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

لافروف: روسيا ستستهدف معامل سرية لتركيب طائرات مسيرة في إدلب

News image

أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن روسيا ستعمل على إنهاء نشاطات المعامل السرية الم...

إثيوبيا وإريتريا توقعان في جدة بالسعودية اتفاقا يعزز علاقاتهما

News image

أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، أن زعيمي إثيوبيا وإريتريا سيلتقيان في مدينة جدة...

الحزب الحاكم في تونس يجمد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد

News image

أعلن حزب نداء تونس الحاكم تجميد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد وإحالة ملفه إلى لجن...

مجلس النواب العراقي يعقد جلسة لاختيار رئيسه

News image

أكد مصدر في المكتب الإعلامي لمجلس النواب العراقي، لبي بي سي، أن النواب طلال الز...

اعصار مانكوت: أقوى عاصفة في العالم هذا العام تضرب الفلبين

News image

ضرب إعصار مانكوت، وهو أقوى إعصار في العالم هذا العام، الساحل الشمالي للفلبين، مصحوبا ب...

مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة: لن نسمح باستخدام المدنيين كدروع بشرية في إدلب

News image

قال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن موسكو لن تسمح للإرهابيين في ...

بوتين يقترح توقيع معاهدة سلام مع اليابان دون شروط مسبقة خلال المنتدي الاقتصادي الشرقي

News image

اقترح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين على رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، توقيع معاهدة سلام بين...

مجموعة التجديد

Facebook Image

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم17564
mod_vvisit_counterالبارحة35045
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع154625
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي220105
mod_vvisit_counterهذا الشهر667141
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1158712
mod_vvisit_counterكل الزوار57744690
حاليا يتواجد 2685 زوار  على الموقع